الهجرة إلى الحبشة
الجزء ١ · صفحة ٣٤المبحث الأول: أسبابها
حرص النبي صلى الله عليه وسلم خلال نبوته أن يوازن بين ما يصلح الدنيا والآخرة، واجتهد في نقل أهل مكة من الجاهلية المتجبرة الطاغية إلى مجتمع راقٍ حضاري ذي قيم عالية، وأثبت للعالم "أنه سياسي بعيد الغور (?)، وكان صاحب رسالة سامية عظيمة، يقول الدكتور راغب السرجاني: "في قرار الهجرة قد يثار سؤال مهم. مفاده: هل قرر المسلمون الهجرة للحفاظ على الدعوة أم للحفاظ على الدعاة؟ فهل يضحى بالدعوة من أجل الحفاظ على الدعاة أم يضحى بالدعاة من أجل الحفاظ على الدعوة؟ ويرجح أن السبب هو حماية الدعوة، لأنها الأصل الأهم، ويؤكد أن إرادة أن يكون للدعوة أكثر من مركز لحمايتها هو السبب الأبرز في الهجرة، دون تقليل من قيمة أرواح
-1
الدعاة (?) وتظهر أسباب الهجرة موقف المشركين في مكة مع النبي وأذكرها في الآتي: شدة البلاء على الرسول وأصحابه، حتى لحق بهم من الأذى الكثير: الضرب، والحبس، والتجويع، ومنع الماء عنهم ورمضاء مكة والنار والدخان، وأشكال من التعذيب، التي أدت إلى موت أحدهم، وفتن بعضهم، وعم الخوف بين المسلمين، فشكو ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة (?). حفاظا على أنفسهم. فرارا بدينهم، والخوف من الفتنة، حيث إن قريشا زاد أذاها وبطشها وخافوا من عدد المسلمين زيادة أرهبتهم، وأخافتهم، فأخذوا يعذبون الضعفاء، الغلمان والعبيد، مما أدى إلى رجوع بعضهم، فكانت هذه الهجرة، حفاظا على دينهم (4)
-?
نشر الدعوة خارج مكة، من خلال البحث عن مكان آمن للدعوة تحمي الدعاة وعقيدتهم قبل حمايتها لأنفسهم. وهذا ما يؤكده من هجرة رجال لهم عصبيات في مكة يمكن أن أما الضعفاء والمضطهدون فلم يهاجروا جميعهم، بل إن معظم من هاجر من
تحميهم، وجوه قريش (5).
(?) هيكل، محمد حسين حياة محمد، د. ط (القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، د. ت)، ص153 (?) بكر، محمد سعيد السيرة المستنيرة، مرجع سابق، ص 85
(?)
انظر، الزهري، محمد بن شهاب، المغازي النبوية د. ط (دمشق، دار الفكر، 1401هـ - 1981م)، ص96 (4) انظر السهيلي، عبد الرحمن بن عبد الله الروض الأنف، مرجع سابق، ج2، 104
(5) انظر، قطب سيد، في ظلال القرآن د. ط (القاهرة دار الشروق، 1425هـ - 2004م)، ج ?، ص 29
6
26