الدولة الأموية
الجزء ١ · صفحة ٢ومن خلال تتبع ما حدث بعد معركة صفين ومقتل الإمام علي رضي الله عنه وتنازل الحسن بن علي عن الخلافة إلى معاوية وما حدث بعدها من أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد نجد أن عروة الإسلام الأولى -وهي الحكم - قد انتقضت، ومنذ ذلك الحين انتقل الحكم الإسلامي إلى ملك عضوض توارثه بنو أمية ثم بنو العباس ومن جاء بعدهم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
وبقدر ما يؤكد هذا الحديث الثاني أنه ستكون في آخر الزمان خلافة على منهاج النبوة وهي بشارة لهذه الأمة التي تعاني في هذا العصر من الملك الجبري أو الملك العاض في أماكن عدة من بلاد الإسلام، فإن هذا الحديث يبين أنه سيحدث انحراف عن منهاج النبوة مباشرة بعد الخلافة الراشدة. وأول انحراف حدث - كما هو معروف - هو الانحراف في اختيار الخليفة أو الحاكم وهو ما عناه النبي (ص) في الحديث الأول الذي ينص على أن أول ما يُنتقض من عرى الإسلام هو الحكم. وقد بدأ الانحراف في الحكم منذ تحكيم الحكمين بعد معركة صفين، عندما توارث بنو أمية الخلافة الإسلامية. وقد صاحب هذا الانحراف في اختيار الخليفة، عدم الالتزام بالعدل في الحكم وعدم الحرص على أموال الأمة.
ففي عهد الخلافة الراشدة كان المسلمون يختارون أكفأهم وأقدرهم على سياسة الأمة، لكن الأمر تغير بعد ذلك فقد أجمع المؤرخون والفقهاء وعلماء الأمة على أن أمراء وحكام الأمويين أو العباسيين قد تولوا الحكم عن غير مشورة من المسلمين، وفرضوا أنفسهم فرضا على الأمة، عدا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، كما أن أكثرهم قد عاث فسادا في بيت مال المسلمين، فبدلا من إنفاقه في مصالح المسلمين ووضعه حيث أمر الله، أنفقوه على شهواتهم وأهوائهم، وعلى الشعراء - الذين كالوا لهم المديح – وعلى أنصارهم من القواد الذين ساعدوهم على تثبيت حكمهم.
يقول أبو الحسن الندوي(1) في كتابه القيم "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" في الفصل الثاني من الكتاب تحت عنوان "الانحطاط في الحياة الإسلامية" بعد أن تحدث عن المجتمع الإسلامي الأول وعصر الخلفاء الراشدين (ولكن من المؤسف
(1) أبو الحسن الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، الطبعة الثامنة، دار الكتاب العربي، بيروت، ص 132 - 134.