توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد دراسة مقارنة بين الاقتصادين الوضعي والإسلامي البوسعيدي، إبراهيم بن عيسى بن يوسف

توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد

الجزء ١ · صفحة ٣٦

المبحث الثاني: مكانة الاستهلاك وموجهاته في الاقتصاد الإسلامي.

المطلب الأول: مكانة الاستهلاك في الاقتصاد الإسلامي: يدرك العقلاء أن الاقتصاد يشغل حيزا كبيرًا من النظام الذي يتفاعل به الإنسان مع أخيه الإنسان بما يكفل للجميع استمرارية العيش ودوام البقاء (?)، ولما كان كذلك فإنه لمن المنطقي جدا أن ترى في التشريعات الإسلامية مكانة سامية للاقتصاد وما يتعلق به؛ لأن الإسلام دين لم يأتِ إلا لهداية السلوك الإنساني وتهذيبه بما يتفق ونظام الكون بأسره، وصدور هذا الدين من العليم الخبير يؤهله للقيام بهذه المهمة، إذ إنه سبحانه أحاط علمًا بذينك الأمرين معًا، فهو العالم بطبيعة هذا المخلوق المعقد من حيث تكوينه ونشأته، واحتياجاته ولوازمه، وحوافزه ونوازعه، ومنافعه ومضاره، كما أنه أحاط علمًا بسنن هذا الكون الفسيح ونواميسه التي يتقاصر الإدراك البشري عن الإلمام بغير النزر اليسير منها، وتتجلى بناء على هذه المقدمة نتيجتان: أولاهما: التفوّق المنقطع النظير للتشريع الإسلامي في توجيه السلوك الإنساني ومن ثم تفوق نظامه

الاقتصادي الذي يعد جزءا لا يتجزأ منه.

والثانية: السبب وراء اهتمام القرآن - مصدر التشريع الإسلامي الأول – بأمر الاقتصاد والذي بلغ شأوا بعيدًا بل لا نبالغ إن قلنا إن الجانب الاقتصادي في حياة الإنسان قد نال من عناية القرآن الكريم ما لم تنله الجوانب الدنيوية الأخرى ((2)).

وقد حاز موضوع الاستهلاك خصوصًا على نصيب كبير من هذه العناية، الأمر الذي تعكسه لنا نصوصه المتكاثرة التي تقف صفا كالبنيان المرصوص لتنأى بالإنسان عن الخطأ في تصور حقيقة هذا

((1)) يرى شوقي دنيا أن هذا المعنى الاجتماعي الدقيق لعلم الاقتصاد الذي شاع في العصور الذهبية لعلم الاقتصاد قد توارى في السنوات الأخيرة خلف المعنى المسيطر حاليا والذي يجعل هذا العلم محصورًا في علاقة الإنسان بالأموال، أو بالأحرى يجعله علم المال أي علم الأشياء المادية، مع أنه في الحقيقة هو علم الإنسان في علاقاته المالية مع بني جنسه فموضوع بحث الاقتصاد الأصلي هو الإنسان من حيث إنه ينتج الثروات ويستهلكها، وعليه فإنه لمن المستحيل أن ندرس مظاهر الحياة الاقتصادية من غير أن نستخلص قواعد نهتدي بنورها، وأن استخلاص تلك القواعد النورانية من القرآن هو أحق ما يكون. يُنظر: دنيا شوقي، القرآن والتنظير الاقتصادي، الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والاحصاء والتشريع المجلد:??: العدد (452)، (451))، ????م، ص??? (الهامش).

(?) وقد صرّح بذلك شوقي دنيا. يُنظر: دنيا شوقي القرآن والتنظير الاقتصادي، ص???.

??