توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد دراسة مقارنة بين الاقتصادين الوضعي والإسلامي البوسعيدي، إبراهيم بن عيسى بن يوسف

توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد

الجزء ١ · صفحة ٣٨

ولأن ذلك هو ما يعكس المكانة الإسلامية للاستهلاك حاولت أن أقف على المراحل التي سلكتها الآيات

الكريمة لترسيخ حقيقة الحاجة في النفوس لما لذلك من أثر بالغ على السلوك الإنساني كما سينجلي إن شاء الله تعالى، وكانت هذه المراحل ثلاثة:

الله

هو

المرحلة الأولى: بيان مُصدِر الموارد.

مصدر الموارد، هذا المبدأ هو الفرقان بين التصور الإسلامي والتصورات الوضعية؛ إذ إنه الموجه الأول للسلوك الإنساني الذي لا تهدأ الحاجة عن دفعه بإلحاح، فبقدر ما يتخبط الكافرون في هذه الحياة لاهثين وارء الموارد التي يرون أنها تطفئ نهمهم وتسد حاجتهم يخضع المؤمنون إلى ربهم مطمئنين إلى أن الذي خلق هو الذي رزق، والذي قبض وحده الذي بسط، أنشأ الموارد وتفرد بملكها وتصريفها حيثما شاء وكيفما أراد، لا ينازعه أحد في ملكه ولا يشاركه أحد في تصرفه مما يخوّله أن يطعم ويُجيع، ويُغني ويُفقر، ويُشفي ويُمرض، ويحيي ويميت.

يعمم

ولما كان شأن هذا المبدأ عظيمًا كان لزامًا أن تتراسل الآيات في الفصل فيه، وتتكاتف على بيانه بيانًا ساطعًا للناس قاطبة، كيما يدركه الغني وهو ينعم في رفاهيته مثل الفقير وهو يكدح في شقاوته، وقد تنوعت الأساليب القرآنية في بيان هذه الحقيقة، فتارةً نجد الله نداءه للناس قائلًا يَأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر: (13)، وتارةً يستفهم مستنكرًا أَمَنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُوا فِي عُنُو وَنُفُورٍ الملك: (21))، وطورًا يستنطق الجاحدين مقررًا قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ

الحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَقِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: ??)، قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: (24)]، بل إنه يقسم بذاته العلية مصرحًا أنه هو مالك الرزق وفي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقُّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ [الذاريات: ?? - ??]، وأما التقرير المباشر لهذه الحقيقة فلا نكاد نفقده في أي سورة من القرآن كله من ذلك قوله تعالى: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَيِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَايِنُهُ وَمَا نُنَزِلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ وَأَرْسَلْنَا الرِّيحَ لَوَيْحَ

??