توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد
الجزء ١ · صفحة ٣٩فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْفَيْنَكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَزِنِينَ) [الحجر: (20) - (22))، وقوله: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنا صَبَيْنَا الْمَاءَ صَبَا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقَا فَأَنْبَتَنَا فِيهَا حَبَّا وَعِنَبا وَقَضَبَا وَزَيْتُونَا وَنَخَلَا) وَحَدَابِقَ غُلَبَاتِ وَفَكَهَةً وَأَبَا مَّتَعَا لَكُم وَلِأَنْعَمِكُمْ﴾ [عبس: (24) - (32)).
ثم انتقل لله ليبيّن أن تفاوت الناس في دخولهم ليس من عند أنفسهم وليس نتيجة حتمية لمجرد كسبهم، وإنما الله هو من قسم أرزاقهم وباين مستوياتهم المالية، وإليه وحده يرجع القبض والبسط، فقال: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَعُ (الرعد: (26)]، ولم يكتف بالتصريح عن هذه الحقيقة في هذا الموضع بل أكد على ذلك بصنوف المؤكدات في مواضع أخرى فقال: قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) اسبا: (36)) قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: (39)]، وقد وضح الله أن علمه بخلقه هو علة تفضيل بعضهم على بعض في
الرزق، فقال: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: (130)، اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) العنكبوت: (162)، لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الشورى: (12)].
فلأجل هذا، ولأجل ألا يجعل الناس الإمداد بالرزق والثراء بالمال نتيجة لعلو القدر ورفعة الشأن فيعيثوا في الأرض فسادًا جلى القرآن هذه الحقيقة للأعين بأبين بيان، فقال منكرًا على الكافرين: أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتِ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيَّةٌ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ الزعرف: (25)]، قال الألوسي: " نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ أسباب معيشتهم في الحَيَوةِ الدُّنْيا) قسمة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح ولم نفوض أمرها إليهم علمًا منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية، وإطلاق المعيشة يقتضي أن يكون حلالها وحرامها من الله تعالى، وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعض في الرزق وسائر مبادئ المعاش، درجات متفاوتة، القرب والبعد حسبما تقتضيه الحكمة فمن ضعيف وقوي وغني وفقير وخادم ومخدوم وحاكم ومحكوم ليَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيَّا ليستعمل بعضهم بعضا في مصالحهم ويستخدموهم في مهنهم ويسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى مرافقهم لا لكمال في الموسع عليه ولا لنقص
??