توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد دراسة مقارنة بين الاقتصادين الوضعي والإسلامي البوسعيدي، إبراهيم بن عيسى بن يوسف

توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد

الجزء ١ · صفحة ٥

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين، أما بعد:

من

فإن نظرة سريعة في عالم اليوم تكشف للعاقل قدرًا كبيرًا من المصائب التي ترزأ به، إذ لا يخلو أي مجتمع مجتمعاته المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فضلا عن التعليمية والثقافية، وقد بلغ الأمر

من

من الشهرة والظهور مبلغا لا يحتاج

معه

إلى أي بينة، فمن يتابع وسائل الإعلام لحظة يسيرة يسمع كثيرا من

المصائب التي يضيق بها الصدر ويحار لها العقل.

والأدهى والأمر من ذلك أن ترى التباين الشاسع بين أحوال المصائب في تلك المجتمعات، ففي المجتمعات الفقيرة ترى جمعا غفيرا ممن تحصدهم أمراض وأوبئة من الفقر والجوع والحرمان وفي المجتمعات الغنية ترى جمعًا آخر ممن تحصدهم أمراض وأوبئة من الترف والشبع والطغيان، فلا تعلم من أصحاب الصراط السوي ومن

اهتدى!

وإذا كان كل ذي عقل ينظر إلى مثل هذه الأحوال تشمئز نفسه ويقشعر وجدانه، فإن المؤمن أشد تأثرًا بها وأعمق استشعارًا لها؛ لأنه يدرك أن منزلته في هذه الحياة لا كمنزلة البهائم لا حس ولا مسؤولية، بل إن منزلته فيها منزلة الخليفة الذي استخلفه الله الله ليحمل أمانته ويؤدي رسالته لينشر الخير ويحارب الشر أينما كان وحيثما حلّ.

ولا يخفى على متأمّل أن الشأن الاقتصادي عامة من أهم ما يقف خلف تلك المصائب، غير أن الجانب الاستهلاكي منه يعد السبب الأول لكثير من المصائب التي تفتك بالمجتمعات، إذ إنه يعمل على إعادة تعريف المفردات الحضارية كلها، وبناء عليه يحدد المجتمع ما يضره وما ينفعه؛ لذلك فإن النهج الاستهلاكي إما أن يرقى بالمجتمع إلى سماء الفضيلة والإنسانية وإما أن يحطها في حضيض الرذيلة والبهيمية؛ ومن ثم لا غرابة أن تجد الكمّ العظيم من النصوص الشرعية التي توجّه السلوك الاستهلاكي ليحقق الهدف المرجو منه.

وإن مما يندى له الجبين وتشمئز منه النفس أن نجد المجتمعات الإسلامية تنأى عن الفضيلة إلى الرذيلة، وتغتر بالحياة الدنيا متبعةً غيرها من المجتمعات فيما تأتي وما تذر، وكأن القرآن الكريم لم ينزل والرسول صلى الله عليه وسلم لم

ث