توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد
الجزء ١ · صفحة ٦٢مطلب تمهيدي: توجيه الأنشطة الاقتصادية لتحقيق هدف الاقتصاد، بين الاقتصاد الوضعي
والإسلامي
يدرك الناظر في اللمحة التاريخية المتقدمة عن الاستهلاك أنه تطور اجتماعي محمود نتج إثر تفاعل أفراد المجتمع مع بعضهم، فقد قادت الإنسان فطرتُه السليمة لينتقل من أن يعيش على ما تجود به الطبيعة إلى أن يتعاون مع بني جنسه لسداد حاجاته المتنوعة، حيث أحس أن حاجاته هذه ليست كحاجة البهائم من حوله التي لا هم لها إلا لتشبع بطنها وفرجها لكن له حاجات متنوعة ومعقدة لن يفي بها سلوك سبيل البهائم مع يسره وسذاجته بل عليه أن يعمل ويكدح منسجما مع بني جنسه ليحقق الوفاء التام لحاجته هذه، فأدّاه هذا إلى أن بناء أنظمة اجتماعية متعددة كان من أهمها هذا النظام الاقتصادي، وهذا يقتضي في الحقيقة الإقرار بأمرين اثنين:
عزمه
أولا: أن حاجة الإنسان ليست محصورة في الماديات وحدها؛ لأنها لو كانت كذلك لما كان احتاج إلى أي نظام اجتماعي مطلقًا، ولرضي بالعيشة البهيمية من العيشة الاجتماعية، ليسر الأولى وعسر الأخرى.
ثانيًا: أن غاية النظام الاقتصادي عامة مستمدة من هدف الاستهلاك نفسه؛ لأن سبب نشوء النظام الاقتصادي هو الحاجة للاستهلاك، فلا يأتي ولا يذر الاقتصاد شيئًا إلا لتأمين حاجة المستهلك في الحال والمآل، أي أنه لولا حاجته للاستهلاك لما أقبل أحد على بناء أي نظام اقتصادي ((1)).
ولما كان الحال كذلك فلا مناص من وجوب أن تكون الغاية من توجيه الاستهلاك وسائر الأنشطة تعظيم المنفعة الكلية للمجتمع أي تحقيق الوفاء التام
الاقتصادية يقود إلى تحقيق هدف الاقتصاد الذي
هو
بحاجات
جميع
المشتركين في هذه الأنشطة الاقتصادية المختلفة.
مبرر
(?) يؤكد هذا المعنى السبهاني بقوله: "ولما كان النشاط الاقتصادي محفوزًا بالحاجات الإنسانية (Human Needs) التي لولاها لم يكن هناك لأي نشاط اقتصادي، فمن الطبيعي جدًّا أن يكون الاستهلاك هو مآل الفعالية الاقتصادية، وإن كان للمشاركين في هذه الفعالية أهداف أخرى فإنها لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال التوافق مع الاستهلاك كدافع مستحدث للنشاط الاقتصادي وموجه له". السبهاني، الأسعار وتخصيص الموارد في الإسلام، ص??.
(53)