توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد
الجزء ١ · صفحة ٩١المطلب الثاني: الحيادية والعدالة في توجيه الاقتصاد الإسلامي للاستهلاك:
نظرية الاستهلاك الوضعية هي وليدة نظرية القيمة التي ابتدعها الحديّون، وقد مر أن هذه النظرية الأخيرة تقوم على أن قيمة الأشياء قائمة على منفعتها الحدية أي الندرة بالنسبة للحاجة، ثم صيغ قانون تناقص المنفعة الحدية بناء على هذا الاعتبار، لكن فشل الاقتصاديين هؤلاء ومن جاء بعدهم في تحديد حقيقة الحاجة أفضى لانقشاع كل البيان الاقتصادي الذي أفنوا جهدهم على تشييده وتحسينه، ومهما ادعوا بقاءه وسعيه نحو المنفعة الكلية فإن كل ذي عينين يدرك أنه زيف هذا الادعاء الذي يكشفه تزايد نسب الفقر والجوع وتدهور المدن والتلوث حتى في الدول الغنية (?).
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهارُ إلى دليل
أما في الاقتصاد الإسلامي فإن التحديد الصريح لحقيقة الحاجة ضمن مبادئ الاقتصاد الإسلامي كان السبب الأول في نجاحه والسبيل الموصل لتحقيق أسمى معاني الحيادية والعدالة بين أفراده، سواء كانوا منتجين أم مستهلكين بل العدالة هذه شملت حتى البيئة التي يعيشون عليها. ذلك أن المستهلكين والمنتجين في الاقتصاد الإسلامي سلموا أنفسهم لربهم مفتقرين له، مما أنه لا سيادة في الاقتصاد الإسلامي إلا لمرضاته؛ لإيقافهم بأنه مصدر الموارد المنفرد بإنشائها وتوزيعها، ومن ثم أدرك كلا الطرفين خطورة أن يطغى أحدهما على الآخر فيحل عليه غضب ربه، ومن يحلل عليه غضب ربه فقد
يعني
ثم إن العدل الا الله أرشدهما للوسيلة التي يتفاعلان بها لنيل مرضاته إذ قال الله: لا أَهُم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيَّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: ((35)]، فالشطر الأول من الآية يؤكد على أن السيادة في النظام الاقتصادي إنما هي حق خالص للشريعة الربانية وأنها لو فوّضته لتدبير غيرها لضاع الناس وهلكوا وهذا هو برهان النظري للعدالة، وفي الشطر الثاني البرهان العملي إذ إن الاحتكام للشريعة يقتضي أن يستعمل كل طرف الآخر في مصالحه ويستخدمه في مهنه ويسخره في أشغاله، حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى مرافقهم، وليحذر أن يستغل أحدهما الآخر مستندًا على موقعه في العملية الاقتصادية؛ ذلك لأن اختلاف المواقع ليس لكمال في الموسع عليه ولا لنقص في المقتر عليه فلا استكبار ولا استغلال (?)، ولأن الهدف الذي ترشد إليه تعاليم الاقتصاد الإسلامي إنما هو (أن يسخر الفرد نفسه لنفع أخيه).
(?) يُنظر: الرحماني، إقبال الفكر الاقتصادي الكلاسيكي الحديث: قراءة نقدية، ص (34).
((2)) هذا التحليل مستفاد من تفسير الألوسي. يُنظر: الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ج ?? ص??.
??