جهود المذهب الإباضي في تعزيز قيم التسامح
الجزء ١ · صفحة ٦٢ثانيا: كان الإمام عبد الله بن إباض شديدا إزاء الآراء والأفكار التي ينادي بها نافع بن الأزرق، وكان يعلن بطلانها بصراحة تامة ويحذر منها الناس وله في هذا الصدد مراسلات شديدة مع ابن الأزرق، يحذره فيها من مغبة التطاول على دماء المسلمين وأمنهم والغريب أن المؤرخين من غير الإباضية يثبتون ذلك ويرون فيه اعتدالا من ابن إياض، ومع ذلك يصرون على تسمية الإباضية
بالخوارج.
ثالثا: ومما يثبت هذه الحقيقة هو أن الرجل الثالث في الإباضية المحدث الحجة الربيع بن حبيب الفراهيدي صاحب المسند الصحيح يبرأ من الخوارج، وكان يقول فيهم:" دعوهم حتى يتجاوزوا القول إلى الفعل، فإن بقوا على قولهم فخطؤهم محمول عليهم وإن تجاوزوه إلى الفعل حكمنا فيهم بحكم الله " "، وقد كان ذلك بمثابة الفتوى التي سوغت قتال الإباضية للخوارج، وإبعادهم عن ساحة التأثير السلبي، وليس خفيا على رجال التاريخ كابن خلدون ومؤرخي المغرب أن الإباضية والصفرية التقوا في المغرب الإسلامي، لكن ذلك ما كان يجمعهم على مائدة واحدة، بل عمل الإباضية بقيادة الإمام أبي الخطاب المعافري على إنقاذ أهل القيروان من عبث الصفرية وانتهاكهم لحرمات البلد، وعبر التاريخ فإن المالكية لم يسجلوا مع الإباضية معركة واحدة باسم المذهبية، إنما وقعت أحداث كان الغرض منها سياسيا محضا، يهدف إلى توسعة نفوذ الولاء والطاعة لبني أمية والعباس.
رابعا: ومما يدل على ذلك أيضا في المشرق قتال الإمام الجلندى بن مسعود لعماني (ت: 134 هـ) الشيبان الخارجي – وهو من الصفرية – عندما قدم في جيش إلى عمان هاربا من السفاح –
1
وقد تقرر هذا الموقف من الخوارج عموما في أولى المؤلفات الإباضية ككتاب الدينونة الصافية العمروس بن فتح (ت 2830هـ) إذ يقول عن الصفرية الذين التقوا بالإباضية زمانا ومكانا على أراض الغرب الإسلامي وقالت الصفرية بتشريك أهل الكبائر من أ أهل التوحيد، واستحلوا سي ذراريهم، وغنيمة أموالهم جرأة على الله، دينا لم يشرعه الله ولم يسن بسيرته نبي الله؛ وتأولوا على ذلك تأويل شبهة خالفت الحق وخرجت من العدل، فدخل عليهم من ا الضلال ما لا نهاية له. ولو كان ثمة لقاء بين الخوارج والإباضية لكانوا أحوج ما يكونون إلى الصفرية في أرض المغرب؛ لأن الإباضية خاصة في زمن عمروس تعرضوا لمحن شديدة ذهب ضحيتها عمروس نفسه، فتأمل كيف كان الإباضية يرفضونهم معتقدا فضلا عن السياسة، انظر: أصول الدينونة الصافية، ص 52،54،59
53