الرحلة الخالدة إلى تركية الماجدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الرحلة الخالدة إلى تركية الماجدة لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٨٩

السّؤال: "يا نفس، كم إنسانا قتلت حتّى اليوم؟! .. كم إنسانا كان يبحث عن الحقيقة فتعثّر بك وفقدها للأبد؟! ".

أيّها البطل الذي نذر روحه للحقيقة! هذا هو القلق الذي ينبغي أن يمور في أحشائك مورا، ويهزّ كيانك هزًّا، كي لا تنقطع تجلّيات الرّعاية الرّبانية. ومن ثمّ، كلّما عظم النّجاح الذي تمّ على يديك، بالِغْ في نكران ذاتك، وأوغل في محو نفسك، وتذلّل أمام الله، وانكسر بين يديه، وأمعن في العبودية له. ذلك أحرى بك كي لا تنسحق تحت أثقال أنانيّتك. اغرس هذه الفكرة في روحك، وثبّتها في قلبك حتّى تصبح جزءا من كيانك، وبُعدا من أبعاد طبيعتك. كان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يبكي صباح مساء متضرّعا ويقول:"يا حيّ يا قيّوم، برحمتك أستغيث، أصلح شأني ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين". فإن اتّخذت هذا الدّعاء وردا لك، لا يفارق لسانك ولا قلبك، فقد وقيت من الانسحاق تحت حوافر النّفس الجموح.

جعجعة الأنانية

ينبغي أن نعلم أنّ الخلل والفشل لا يقع إلّا بما كسبت أيدينا، وأنّ النّفس هي العائق الأكبر لكلّ خدمة إيمانية. وما يتمّ من توفيق وإنجاز، فهو محض إكرام منه جلّ وعلا، فالخير كلّ الخير من الله وحده. أمّا مقولة: ﴿إنّما أوتيته على علم عندي﴾ (القصص:78)،فلم يقلها إلّا " قارون"، حينما ظنّ نفسه مصدر الأرزاق والنّعم. وإنّها لعبارة لم يزل كلّ قارون وفرعون يردّدها عبر التّاريخ. أمّا الأنبيّاء وعلى رأسهم سيّد الأنبيّاء صلّى الله عليه وسلّم فقد كانت كلمتهم واحدة: ﴿لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفعًا ولا ضرًّا إلّا ما شاءَ الله﴾ (الأعراف:188). فمن يقل: " فعلت أنا، أنجزت أنا، نجحت أنا، لو لم أكن أنا … " فمعناه أنّه واقع في مستنقع آسن من التّفكير الفرعوني. يقول سيّدنا رسول الله صلّى عليه وسلّم: " لأن يهدي الله بك رجلا واحد خير لك من حُمْر النَّعَم ".فلو هدى الله ملايين من النّاس على يديك، فنسبت تلك الهداية إلى نفسك، فقد أحبطتَّ عملك، ورميت بنفسك في لظى النّار وحرمتها من النّعيم المقيم.

الغيرة المقدّسة

٨٩ / ٩٧