السياسة البترولية في الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٢٧مدخل
لمحة عن تاريخ النفط وتطوره السياسي
عرف الإنسان النفط منذ عصور قديمة، واستخدمه في المناطق التي كان يوجد فيها؛ فلقد تردد أن نوحا عليه السلام عندما فرغ من صنع السفينة دهنها بمادة القار أو البتومين من داخلها وخارجها، وهي مادة نفطية. وثبت بكتابات هيرودوت ومؤرخين قدامى غيره، ومن السجلات المسمارية التي خلفها القدماء من طبقات الملوك والتجار، وكذا من الحفريات التي تم إجراؤها حديثا ـ أن منتجات النفط كانت تستغل في أغراض عديدة، وبمقادير معتبرة نسبيا. وكان لرجال النفط في بلاد الرافدين تجارة وصادرات هامة. ولقد كانت أهم استعمالات النفط لصنع الكساء الواقي من الرطوبة، والعقاقير الطبية ووقودا للمصابيح(1).
وكان قدماء الهنود يستخدمون الزيت من الأرض لإجراء طقوسهم الدينية، وفي أغراض الزينة والبناء. وتبين لدى الإسبان أن هذه المادة مفيدة لقلفطة مراكبهم(2).
وفي الشرق الأوسط يعود تاريخ استخدام النفط إلى قرون عديدة قبل الميلاد، حيث إن كتاب التوراة (أو العهد القديم) يحمل إشارات إلى الكميات الضخمة من النفط، وإلى استعمالاته في تلك المنطقة(3).
بيد أن الصناعة النفطية الحديثة يرجع عهدها إلى القرن التاسع عشر، ففي عام 1847 قام الإنجليزي (يونج Yong) بتجارب كان يهدف من ورائها إلى تقطير النفط من
الفحم الحجري. ولقد لقي بوادر النجاح، إلا أنه لم يدرك الأهمية العملية المترتبة على هذا الاكتشاف العلمي الجديد. وفي هذه الأثناء وُفِّق (ستوفاسر) أحد رجال الصناعة الألمان إلى صنع مصباح للإنارة يوقد بنوع من الزيت، أخف وأكثر سيولة من الأنواع المعروفة حينئذ، وسرعان ما استغل (ستوفاسر) هذا، تجارب (يونج) ونظريته وعمل على تطبيقها. ولقد اعتبر هذا العمل انقلابا عظيما في صناعة النفط لأول مرة في التاريخ فاتخذ هذا الحدث فيما بعد بداية للعصر النفطي الحديث(4).
وبتوسع استعمال قنديل البرافين ـ كما كان يعرف آنذاك ـ في جهات كثيرة من أروبا، عظم
(1) دليل الشركة العربية الأمريكية ( ARAMCO)، ط. 1960، ص. 2.
(2) هارفي أوكونور، الأزمة العالمية في البترول، ترجمة د. عمر مكاوي، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1967، ص. 131.
(3) دليل الشركة العربية الأمريكية، المرجع السابق، ص.3.
(4) د. راشد البراوي، حرب البترول في العالم، دار النهضة العربية، القاهرة، 1968، ص. 8.