السياسة البترولية في الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٢٢٧المحافظة بالصحراء - وقد بدا صلاحها - ضمن كيان شبه مستقل يدور في الفلك الفرنسي ويسبِّح بحمد الإيليزي ويرعى مصالحه.
غير أن قيادة الثورة الجزائرية كانت بالمرصاد لكل مخططات الاستعمار الجديد فاستعملت كل الجبهات واعتلت كل المنابر لإفشالها. ولقد سعت السلطات الفرنسية إلى فتح باب المفاوضات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بطرح الحلول الوسطية التوفيقية، فكانت تساوم حينا على مسائل تمس السيادة الوطنية الجزائرية في وحدة الشعب والتراب، وأحيانا تخص المصالح الاقتصادية والعسكرية والثقافية.
وإذا كان ولا بد للمفاوضات من تنازل، فإن المفاوض الجزائري ـ بحساسيته المفرطة لمعاني الحرية والاستقلال وتقديره المسؤول للتضحيات الجسيمة المقدمة ـ عرف كيف يفصل بين مسائل السيادة التي لا تحتمل التنازل والمساومة ومسائل المصلحة التي تتغير بتغير الأحوال والحكومات.
ووقعت اتفاقيات "إيفيان" بين الجزائر وفرنسا، وهي تتضمن الاعتراف بالسيادة الجزائرية الكاملة، وتقر بوحدة الشعب والوطن من جهة، وتمنح حق الامتياز للمصالح العسكرية والاقتصادية والثقافية الفرنسية من جهة أخرى.
وبالرغم من سعة هذه الامتيازات، ووقوفها دون استكمال أهداف الثورة الجزائرية، منها خاصة وضع الاقتصاد في خدمة الوطن، إلا أن ما يشفع لهذه الاتفاقيات أنها تضمنت إقرار فرنسا بسيادة الجزائر الكاملة ووحدة أراضيها، وأحالت المسائل الأخرى إلى إمكانيات المراجعة والتصحيح، وهي الخطة التي رسمها الوفد الجزائري المفاوض بإحكام وبوعي تام(1).
وفعلا جاءت التصحيحات المتتالية غداة الاستقلال أفضت - بعد جهود معتبرة - إلى جلاء القوات الفرنسية من مواقعها البرية والبحرية والجوية في الجزائر، وإلى تأميم الثروات المنجمية والنفطية والغازية والقطاعات الاقتصادية الاستراتيجية.
(1) C.A.N.، G.P.R.A.، boite 30، dossier 10،(Problème du pétrole … .) op.cit. -