مفهوم الربا في الفقه الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣٤تمهيد:
الفصل الثاني تأثير الربا على الاقتصاد
إن الربا آفة من الآفات، إذا أصابت الاقتصاد فإنها تنتشر فيه انتشار السرطان في جسم الإنسان، وكما عجز الأطباء عن علاج السرطان فإن المفكرين ورجال السياسة والاقتصاد عجزوا عن علاج بلايا الربا.
ومن العجيب أن بعض الناس ظنوا أن الربا يحدث خيراً للناس، ومثلهم في ذلك مثل الذين يظنون أن التورم في بعض الأجساد الناشئ من المرض صحة وعافيةً، فليس كل تضخم في الجسم صلاحاً، إن السرطان إنما هو تكاثر غير طبيعي لخلايا الجسم، وهذا التكاثر ليس في مصلحة الإنسان، بل
حالاً
…
هو
مدمر لحياته، وفاتك به. وكذلك ما يولد الربا ليس صلاحاً للاقتصاد بل هو مدمر للاقتصاد، والمشكلة أنَّ بلايا الربا لا تظهر مرة واحدة في كيان المجتمع وكيان الاقتصاد، يقول الرازي: "الربا وإن كان زيادة في الحال إلا إنه نقصان في الحقيقة" 1 وهذا مستفاد من النص القرآني: ﴿يمحق الله الربا﴾ [البقرة: (276)] فالمحق نقصان الشيء بعد حال فالذين يتعاملون بالربا يظنون أن فيه كسباً، والحقيقة التي أخبر بها العليم الخبير، والتي كشف عنها واقع البشر الذي دمره سرطان الربا أن الربا ممحقة للكسب مدمر للاقتصاد، ذلك أنه يطيبه بعلل خبيثة يعي الطبيب دواؤُها، الربا ليس بركة ورخاء بل هو مرض عضال يُذهب المال ويقلله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل"2. أي: نهاية أموال الربا القلة والنقصان.
وفي هذا السياق سيتحدث الباحث في المبحث الأول عن تأثير الربا على الاستثمار والتوجهات الاقتصادية، اما في المبحث الثاني سيتحدث عن الآفات الاقتصادية التي يجلبها الربا.
1
الرازي، أبو عبدالله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التميمي "مفاتح الغيب=التفسير "الكبير" ط 3 (بيروت- دار إحياة
التراث العربي، 1420 هـ) ج 7، ص 80
2
أخرجة ابن ماجه (2279)، وأحمد (3754)
(25)