الشدة في الخطاب الدعوي: مراحلها وآثارها في الوقت المعاصر الأخزمية، هاجر بنت محمد بن سيف

الشدة في الخطاب الدعوي

الجزء ١ · صفحة ٤٥

المبحث الثاني نماذج من الشِدَّة في الخطاب الدعوي عند الأنبياء.

الأنبياء هم صفوة الناس وخلاصتهم، وفي قصصهم، وأخبارهم عبر، وعظات بالغات للمؤمنين، ليقتدوا بهم في جميع مقامات الدين، ومن ضمنها مقامات الدعوة إلى الله تعالى وخطاباتهم مع قومهم، فقد قال الله تعالى عنهم: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَة لِأُولِي الْأَلْبَبِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْء وَهُدى وَرَحْمَة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (يوسف:111)، فقد اختار الله تعالى أنبياءه، واصطفاهم، وفضلهم، واجتباهم، وجعلهم للخلق قادةً، وفي الخير قدوةً؛ فبهم عُرِف الله وبهم وُحِد، وبهم عُرِف الصراط المستقيم، وعلى آثارهم وصل أهل الجنة إلى كل نعيم، وفازوا بكل ما فيه خير، وسعادة لهم سواء في الدنيا أو الآخرة، فبهم نقتدي، وخاصةً في مجال الدعوة، وكيف استخدموا الشدة في خطاباتهم الدعوية، ونهجهم في ذلك، وفي هذا المبحث تستعرض الباحثة مواقف بعض الأنبياء التي استدعت استخدام الشدة خلال دعوتهم وخطاباتهم، مع تقييم الموقف، واستخلاص الدروس وتوضيح النتائج المستلهمة هذه المواقف، وفي نهاية ذلك ستعرض بعض صور الشدة بإذن الله تعالى.

من

المطلب الأول: موقف استعمل فيه سيدنا نوح عليه السلام الشدة خلال دعوته.

الله

كان سيدنا نوح عليه السلام أول الرسل الذين أرسلهم الله عز وجل بعد آدم عليه السلام، ودليل على ذلك حين قال القرطبي: "وهذا لا إشكال فيه، كما أن آدم أول نبي بغير إشكال لأن آدم لم يكن. معه إلا نبوة … ، واستقر المدى إلى نوح فبعثه بتحريم الأمهات، والبنات … وأوضح له الآداب في الديانات"2، والشاهد من هذا هو "استقر المدى إلى نوح … " أي لم يسبق آدم أحد من الأنبياء، وجاء بعده مباشرة نوح عليه السلام، فبعثه الله سبحانه، وتعالى إلى قوم انتشرت عندهم عبادة كل ما يصنعه الإنسان بيديه سواء من حجر أو خشب، كما أنهم يتبركون بها دون علمهم بوجود الله، فقد تلوثت عقولهم بالضلال والجهل وخلت قلوبهم من الرحمة، فأرسل الله

2

1 البدر، عبد الرازق بن عبد المحسن، دعوات الأنبياء عليهم السلام، د. ط. (د. م: د. ن، د. ت)، ص 10. القرطبي، أبو عبد الله محمد أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ط 2. بن (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1384 هـ - 1964 م)، ج 16، ص 10 - ص 11.

37