الشدة في الخطاب الدعوي: مراحلها وآثارها في الوقت المعاصر الأخزمية، هاجر بنت محمد بن سيف

الشدة في الخطاب الدعوي

الجزء ١ · صفحة ٤٦

تعالى نوحًا عليه السلام ليدعو هؤلاء القوم، ويعرفهم بوجود الله تعالى، ويقيم الحجة عليهم أن لا معبود سوى الله تعالى في هذا الكون المديد.

لقد كان نوح عليه السلام على الفطرة مؤمنًا بالله تعالى قبل بعثه إلى الناس داعيًا لعبادة الله، حيث عُرف بأنه كان كثير الشكر أي يشكر الله تعالى دائمًا، ويحمده ويذكر نعم الله عليه، قال الله تعالى عنه: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} (الإسراء:4)، وقد ذكر الطبري في تفسيره: "بأن أهل التأويل اختلفوا في السبب الذي سماه الله سماه الله بذلك لأنه كان يحمد الله على طعامه إذا طعمه " 1. فأوحى الله تعالى لنبيه نوح أن يدعوهم لترك عبادة الأوثان وترهيبهم بعقاب الله تعالى وينذرهم بعذابه العظيم.

من

أجله شكورًا؛ فقال بعضهم:

بدأ عليه السلام دعوته لقومه، واستخدم أساليب ووسائل متنوعة خلال دعوته، ولم يكتف بأسلوب دعوي واحد، ومن بينها الأساليب التي وضحت فيها الشدة والترهيب، فلم يستعملها بداية دعوة إنما استعملها بعد الرفق، واللين والترحم مع المدعوين، ومعاملتهم بالمساواة 2، حيث قال الله عز وجل عن نبيه: لو قَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يُقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلهِ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم} (الأعراف: (59)، هذه الآية تُشير إلى أن نوحا خاطب قومه كلهم على حد سواء لأن الدعوة لا تكون إلا عامةً لهم، وعبر في ندائهم بوصف القوم لتذكيرهم بالقرابة والتعارف الودّي فيما بينهم، وليتحققوا أنه ناصح ومريد خيرهم ومشفق عليهم، وأضاف (القوم) إلى ضميره للتحبيب والترقيق لاستجلاب اهتدائهم. ثم استخدم الترهيب، والتذكير بعذاب الله العظيم فأخذت دعوته عليه السلام مسارا آخر في إثارة عقول وقلوب بعض الناس، وعلموا أن الله هو المستحق بالعبادة، ولا شيء معبود سواه، وانقادوا مع نوح عليه السلام وكانوا تحت راية الدعوة التي يدعو إليها ألا وهي عبادة الله، وتركوا عبادة

الطبري، أبو جعفر محمد جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط 1. (القاهرة: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، 1422 هـ - 2001 م)، ج 14، ص 452. 2 البدر، دعوات الأنبياء عليم السلام، ص 118، ص 119، ص 110.

3 التونسي، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التحرير والتنوير د. ط. تونس: الدار التونسية للنشر، 1984 هـ)، ج 8، ص 188.

38