مجلة الغدير - العدد 72 مجلة الغدير

مجلة الغدير العدد الثاني والسبعون

الجزء ١ · صفحة ٥٧

شيء لا اعرف كنهه .. ولكن اعقبه هدوء غريب فقلت في نفسي لعله الهدوء الذي يسبقه العاصفة: ووقف المصعد فاذا بي في الطابق الثالث واذا بي امام الشقة رقم

(12)

اين؟ كان مفروضا اننى في و دخلت صالون الخليلى وضيفا عليه .. ولكن ما ان فتح الباب وصافحت الرجل حتى خيل الى انني امام التاريخ: ثم جاءت الطاقة الاخرى القهوة العمانية السوداء التي احتسيت منها ويبدو أنها فعلت فعلتها في رأسى فدار .. وفى عقلى فطار صوابه .. ولكن القهوة کاي مخدر اخر مفعولها محدود .. وما ان انتهى سريان مفعول القهوة وانتهت حالة الطواري التي كنت اعيشها حتى انكشف المشهد عن اثنين: واحد كأنه ينطلق محلقا .. بعيدا لايكاد يستقر نظره على بعيدا بسبب نفسه شيء .. ولا يستقر له المتمردة .. قرار وذاك هو كاتب هذه

السطور

وواحد ينطلق من عمق السنين فاذا السنين لعبت معه .. ومالعبت به .. وربما

ذاقت منه ماذاقت .. وماضاقت به وكان ذلك شخص يقف في مواجهتى، وكان في العقد السادس من عمرة تمرد عليه ذقنه فاستحال ابيض وصاحبه .. ككل الرجال .. يريده ان يحتفظ بسواده ما امکنه ذلك وتمرد عليه فكرة فكان عديم اللون غير محدد المعالم، ولعل صاحبه يريد أن يتلون ما استطاع إلى ذلك سبيلا ربما لان الطقس يقتضي أن يكون له لون وطعم؟؟ ولعله الان يعيش صراعا بينه وبين نفسه التي تفضحه بسليط لسانها حين تقول له: متى كان لفكر الاعلام لون؟ المهم .. بدا الحديث .. فكان تلميذ صغير يقف في رحاب مدرسة اسست لقرون

خلت ليسأل نفسه كيف يبدا الحديث الجدى؟

اعترف أننى كنت قد رتبت الاسئلة مسبقا .. وبالترتيب الابجدى .. ولكنني في اللحظة الحرجة وجدت نفسي خاوي الوفاض صفر اليدين .. ومع ذلك حاولت ان ابدو على الاقل .. طبيعيا .. واحاول استعيد هدوئي وارسل نفسى على سجيتها فانا امام رجل يحمل على كاهله احداث نصف قرن من الزمن وعاصر ما عاصر في العشرينات كانت ذكريات الطفولة، وميعة الصبا .. في الثلاثينات كانت مظاهر النبوغ قد بدات تعطى ثمارها واكلها .. فاذا السليقة طبعه .. واذا الفصاحة تعرف جيدا طريقها اليه (فقد كان مفتوحا على مصراعيه) .. واذا البلاغة تقترب رويدا رويدا من هدفها .. مثلما الروح تهبط .. من علو السماء لتدخل جسدا فتبعث فيه الحياة .. وجاءت الاربعينات بالبشائر والخمسينات بالدرر واذا الستينات واذا السبعينات تتبلور فيها روائعه يخيال فيها كطاووس فى حديقة غناء وارفة الظلال تضم ارشيفا كاملا يحوى جليل الافعال .. كما تضم حديقته متحفا اثريا خالدا تعرض فيه ما تفتقت عنه عبقريته وفكره اللانهائي هذا أدبيا:

الاعمال

وبديع

ويبقى الرجل شاهد عصره:

واجه احداث العشرينات (كان يفترض ان تكون براءة الطفولة سيدة الموقف في هذه الفترة ولكن يبدو انه من النوع الذي يبدا نبوغه مبكرا بشكل ملفت للنظر في الثلاثينات كانت تتقاذفه المدارس تقذفه مدرسة لتلتقطه اخرى .. وفى الخمسينات كانت شخصيته

قد استكملت نضوجها واتضحت معالمها .. كانت اجاهاته وميوله التي وبالتالي

58 الغدير