شروق عُمان (العدد الثاني) مجهول

مجلة شروق عمان-العدد الثاني

الجزء ١ · صفحة ٣

الوقفة الدينية)

التسامح والتعايش بين البشر

أرسى محمد - صلى الله عليه وسلم - دعائم التسامح بين البشر، وأوحى الله إليه في القرآن أن لا إكراه في الدين، وبين - صلى الله عليه وسلم - حقوق غير المسلمين الذين لا يحاربون المسلمين وأنَّ لهم الأمن على أنفسهم، وأبنائهم، وأعراضهم وأموالهم، وفي بلاد المسلمين إلى اليوم رعايا من اليهود والنصارى يعيشون حياة كريمة، بينما قضت محاكم التفتيش على وجود المسلمين في إسبانيا، في تطهير عرقي مخالف للمبادئ المعلنة في الحضارة الغربيَّة. من أعظم قواعد الدين الذي جاء نبي الرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم -: أن اعتناق الإسلام متروك للقناعة الشخصية للأفراد والجماعات، وأنَّ الدعوة إليه تقوم على الحكمة والموعظة الحسنة، لا على الإكراه والإجبار بقوة السيف أو غيره، وقد ورد في ذلك كثير من نصوص القرآن والسنة من ذلك قوله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين قَدْ تَبَينَّ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256. وقوله تعالى: ﴿وَقُل الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 129. كما راعى دين محمد - صلى الله عليه وسلم - غير المسلمين؛ فنهى عن قتالهم إذا لم يكونوا من المقاتلين؛ بل ولم يحرِّم البرَّ بهم والإحسان إليهم؛ فقال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين وَلَمْ

يخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8). ومن القواعد العظيمة التي أرساها دين الإسلام كذلك: احترام حقوق غير المسلمين، سواء كانوا رعايا للدولة الإسلامية، أو كانوا خارج الدولة الإسلامية ولم يعلنوا الحرب على الإسلام والمسلمين؛ فهؤلاء كلهم لهم حقوق في

ذمة كل مسلم؛ حيث يأمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، لا يجوز لمسلم أن

يعتدي عليهم في شيء من ذلك. يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما)) رواه البخاري. وقال -صلى الله عليه وسلم: ألا) مَنْ ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلَّفهفوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه - أي: أنا الذي أخاصمه وأحاجه - يوم القيامة))؛ رواه أبو داود. بل لقد استوى أمام القاضي في الحكم والقضاء المسلم وغيره؛ فعن عن الأشعث قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني؛ فقدمته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ألك بيِّنة؟))، قلتُ: لا، قال لليهودي: ((احلف))، قلتُ: يا رسول الله، إذًا يحلف ويذهب بمالي!

فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْترُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً إلى آخر الآية [آل عمران: 177

رواه أبو داود. ولقد ظل هذا الوضع قائمًا في بلاد الإسلام إلى يوم الناس هذا؛ فقد عاش في ديار المسلمين اليهود والنصارى وغيرهم من أتباع الملل الأخرى، في ظل من الأمن والعدل والتسامح قلما يتوافر مثله،

وما التصفيات العرقية والدينية التي تشهدها بعض البلاد إلا دليل على قيمة ما قدمه الإسلام للرعايا من غير أتباعه، وعلى العكس من ذلك؛ فقد عانى المسلمون الويلات من جراء حروب التصفية الدينية والعرقية أشهرها ما حدث في الأندلس على يد محاكم التفتيش، التي لم توفّر حتى

المخالف لها من أتباع الديانة النصرانية، ناهيك عن اليهود وغيرهم

الذين وجدوا بعد ذلك الملاذ الآمن في البلاد الإسلامية الأخرى.