جواب عن اللحية والموسيقى لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١١وليت شعري؛ أنى للعقل البشري وهو مكبل بأغلال الطبيعة أن يدرك أسرار أحكام الله تعالى وشرعه، فلو جئنا إلى الصلاة لوجدنا فيها من الأعمال ما يقف العقل دون مرمى حكمته بمراحل لا يمكن أن تحد بمقياس، فأنى للعقل أن يدرك حكمة تفاوت ركعاتها، فمنها الرباعيات وهي الظهر والعصر والعشاء، ومنها الثنائية وهي الفجر، والثلاثية وهي المغرب فمن أين للعقل أن يدرك سر هذا التشريع، فضلا عن تفاوت أحكام أفعالها، من ركوع وسجود، وقيام وقعود، وتلاوة وذكر؟ فنجد الركوع لا يتكرر في الركعة الواحدة، بخلاف السجود، ونجد التلاوة مخصوصة بحال القيام دون القعود، ودون الركوع والسجود، وهكذا تفاوت الأذكار بين حالات الانتقال وأحوال الاستقرار، فمن الذي يحيط عقله علماً ببعض ما في هذا الخضم الزَّخار من حكم بالغة فضلا عن الإحاطة بها جميعا، وكذلك اختلاف فروض الليل عن فروض النهار، بحيث يسر بالقراءة في فروض النهار ويجهر بها في فروض الليل، واختلاف فرض الجمعة عن فرض الظهر -مع أنه بديل عنه- في هذا الحكم، وكذلك في عدد الركعات وسائر الأحكام، أوترى أن هذه الأحكام كلها لو لم يأت بها شرع يمكن لهذا العقل أن ينفذ إليها ببصيرته، فيرتبها هذا الترتيب، ويجعلها على هذا النسق؟ كلا، وإنما هي جميعا من خصائص الشرع؛ الذي يتعالى عن مدارك العقل، وقل مثل ذلك في الطهارات، فنجد الوضوء مثلاً يختص بأعضاء معينة من الجسد، مع أن الحدث حكم معنوي قائم بالجسد كله، وقد يكون مورده بعيدا عن تلك الأعضاء، ويجب الغسل لأسباب لا يتصور العقل أن تكون منشأ لهذا الحكم، فكم مما يتلبس به الجسد ما هو أنجس وأقذر من موجبات الغسل مع أنه لا يجب به، وكذلك أنصبة الزكاة ومقاديرها ليس للعقل البشري أي نصيب في تحديدها، ناهيك بالحج وخصائصه كالإحرام والاضطباع والطواف والسعي ورمي الجمار والوقوف بعرفة والإفاضة إلى المزدلفة والمبيت بها والمبيت بمنى، وما يعروه من أحكام شتى خارجة عن مدارك