جواب عن اللحية والموسيقى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواب عن اللحية والموسيقى لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٩

هذا؛ ولم يجعل الله تعالى للعقول حكما فيما أمر به أو نهى عنه ولا تصرفا إلا الانقياد والإذعان، ذلك لأن العقول - وإن كانت نورا ربانيا جعله الله هاديا لمن يسره للهدى من البشر- هي لا تعدو أن تكون كسائر طاقات البشر لا تتجاوز حدودها الطبعية، فليس بوسع العقول أن تكتنه الحقائق كلها، وتنفذ إلى أسرار الله في التشريع، ومع ذلك فهي تتفاوت وقد تتباين وتختلف بحسب المؤثرات النفسية والاجتماعية، فكأين من أحدٍ يستحسن عقله ما يستقبحه غيره، وكأين من بيئة تستحسن ما تستقبحه غيرها من البيئات، فكم وجدنا من شعوبٍ تجمع على استحسان أمور عجيبة تقشعر منها جلودنا، وتشمئز منها نفوسنا، فقد كان من تقاليد بعض الشعوب الهندية أن المرأة عندهم بعد موت زوجها بفترة غير طويلة تضرم لها نار لتلقي بنفسها فيها راضية مختارة في وسط حفل بهيج، تنطلق فيه الحناجر بأنغام الزغردة والأهازيج، وتكون عندما تلقي بنفسها فيها بأتم زينتها كالعروس تزف إلى زوجها، وبقدر ما تكون خطواتها أسرع إلى النار تكون أرضى لأهلها ومجتمعها؛ لأن ذلك من تمام برِّها بزوجها، كما وجدنا بعض الشعوب الإفريقية إذا ناهز أحدهم الاحتلام أدخل في حجر خاص لمدة ثلاثة أشهر لا يراه فيه إلا الخاصة، وفي تلك الفترة يشقق جلده كله من وجهه إلى قدميه، وتنقش فيه نقوش فنية متنوعة بطريق الوشم بحيث لا يغادرون شيئا من جلده إلا وقد نال قسطه من هذا العذاب، ويظل ذلك الوشم سمة بارزة طوال الحياة، فإذا خرج من محجره خرج بصورة غير صورته الطبعية، كأنما أنشئ من جديد بمظهر موحش يعدونه هم من أظهر سمات الجمال والحسن، وتزاد الأنثى على ذلك بثقب شفتها العليا ويملأ ذلك الفراغ بسداد لا يزال يوسع بمرور الزمن ليتسع الثقب كلما امتد بها العمر، فهل زين هذا كله لهؤلاء إلا عقولهم المأفونة رغم ما يلقونه في ذلك من عذاب قاس ينزل بهذه الأجسام الناعمة، وما يترتب عليه من تشويه للصور، حتى ينقلب الإنسان من صورته

٩ / ٣٥