السيرة الزكية للمرأة الإباضية بدرية بنت حمد بن خليفة الشقصية

السيرة الزكية للمرأة الإباضية لبدرية الشقصية

الجزء ١ · صفحة ٧٤

هذه الأم الكريمة من الأمهات اللاتي بذلن مجهوداً مضنياً في سبيل العلم الصحيح وتأصيل المعرفة الإسلامية العلمية، فمن هذه الأمة القدوة؟ إنها والدة قطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش، واسمها ماما ستّي وهي ابنة الحاج سعيد بن عدون، ورثت من أسرتها الذكاء والعلم والفضل، فكان جدها وعمها وأخوها من العلماء الأفذاذ الذين نبغوا في عصرهم، اتصفت ماما ستي بالورع والتمسك بالدين، ونشأت محبة للعلم والعلماء، تعرف فضل العلماء ومكانتهم وقدرهم، وأن العلم أنفس شيء في الوجود، تزوجت من السيد الصالح الحاج يوسف، وكان ذا أثر بليغ فيها، فقد رسخ فيها ما ورثته من أسرتها من حب العلم والدين والحماس للنهضة الحديثة وقوّاه، ولقد رزق الله هذا الزوج نعمة الذهاب إلى حج بيت الله الحرام، وبعد طوافه نام فرأى رسول الله صبى الله عليه وسلم في منامه يدنو منه باسماً متهللاً، ويكتب شيئاً في ظهره فاستفاق الحاج يوسف، وقلبه يغمره الانشراح، فلما رجع إلى وطنه استقبلته زوجته ماما ستي في حبها وحنانها وأشواقها فحدثها بالرؤيا، فاستبشرت، ثم حملت بعد مدة قصيرة بالولد السعيد، وبعد ولادته كان كما تمنيانه غلاماً جميلاً قوي البنية تبدو على نظراته وسيماء وجهه آيات الذكاء والنبوغ وعلامات الصلاح والنجاح، وأسمياه محمداً تيمناً وتبركاً بالرسول صلى الله عليه وسلم، وتمنيا من الله أن يكون ولدهما في مصاف العلماء.

وكان لا يرى الطفل محمد أباه بعد رجوعه من العمل أو المسجد إلا بين كتبه يقرؤها، فنشأ الطفل الصغير محباً للكتب تواقاً للمعرفة، وما يكاد يبلغ محمد الخامسة من عمره حتى يرى والده محمولاً على الأعناق إلى المقبرة، فارتاع وسفح الدمع الغزير، ولكن أمه ماما ستي أخذت تحنو عليه وتبالغ في الحنو وتكفكف دمعه، وتعوضه برعايتها وحسن تربيتها وتوجيهها ما فقده من حنان أبيه ورعايته.

٧٤ / ١١٢