القواعد الفقهية عند أبي مسلم البهلاني
الجزء ١ · صفحة ٥٥تمهيد:
ترجع قواعد الضرر والضرورة والعذر إلى قاعدتين كبريين من قواعد الفقه الإسلامي، هما:
"لا ضرر ولا ضرار "، و"المشقة تجلب التيسير"، وهو ما يدل على اعتمادها على أصل من أصول الفقه الإسلامي يشهد له القرآن والسنة.
فمن أدلة قواعد الضرورة والعذر من القرآن قوله تعالى: {فَمَنِ أَضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفِ لِإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) المائدة: (3)، وقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَن بِالْإِيمَانِ﴾ النحل: (106)، وجه الدلالة من الآيتين أن الله تعالى أباح في الآية الأولى أكل ما حرم من المطعومات حال المخمصة، وأباح في الآية الثانية التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه مع طمأنينة القلب، بالإيمان وحالتا المخمصة والإكراه من
الضرورات.
ولقواعد الضرر كذلك أصول تستند عليها، منها قوله تعالى {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ صِرَارًا لِتَعْتَدُوا البقرة: (231)، ومن السنة حديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ عَضُدٌ مِنْ نَخْلِ فِي حَائِطِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: وَمَعَ الرَّجُلِ أَهْلُهُ، قَالَ: فَكَانَ سَمُرَةُ يَدْخُلُ إلَى تَخْلِهِ فَيَتَأَذًى بِهِ وَيَشْقُ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ فَأَبَى، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُنَاقِلَهُ فَأَبَى، فَأَتَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَطَلَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يَبِيعَهُ فَأَبَى فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُنَاقِلَهُ فَأَبَى، قَالَ: «فَهِبْهُ لَهُ وَلَكَ كَذَا وَكَذَا أَمْرًا رَغَبَهُ فِيهِ فَأَبَى، فَقَالَ: "أَنْتَ مُضَارٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِي: "اذْهَبْ فَاقْلَعْ نَخْلَهُ (?).
(1) أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير، سنن أبي داود رقم الحديث: (3636)، د. ط، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت: المكتبة العصرية، د. ت)، ج?، ص (315).
((44))