الفكر السياسي عند الإباضية لعدون جهلان
الجزء ١ · صفحة ١٧٣تستطيع تحقيق مساعيها في غياب هذه المؤسسات الخيرية التي تعمل جاهدة للصالح العام وتقدم خدمات كبرى للدولة بدون مساس بسيادتها وهيبتها.
هذه نظرة خاطفة على النشاط الاباضي في مرحلة الكتمان وما يتعلق بها من تنظيمات تأخذ طابعاً اجتماعياً ودينياً، وتبتعد ما أمكن عن الخوض في المجال السياسي، لأن الهدف الأول من الكتمان هو التركيز على الحياة الداخلية للمجتمع، بالمحافظة على الدين والسعي في تطبيقه، وبتنظيم الحياة الاجتماعية.
ويمكن أن نلاحظ ما دمنا في آخر مراحل مسالك الدين ان الكتمان ينقسم إلى نوعين: الأول: مرحلة الاختفاء والتستر المتطرف والانعزال التام وهي شبيهة بحالة القعود مثل ما كان عليه الإمام جابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم في العراق، وأبو الربيع سليمان بن يخلف النفطي (ق 5هـ) ومن عاصره في الجريد حيث كانوا يبالغون في أخف الموسم، نظراً الظروف القاسية في زمانهم.
والنوع الثاني: هو الكتمان المعتدل أو الظاهر حيث يتمتع فيه الاباضية بحرية الرأي واظهار نشاطهم بين الأمم إلا أنهم يعجزون عن أقامة دولة مستقلة لهم ولا يرغبون في ذلك. ومثال هذا النوع حالة إباضية شمال إفريقيا بعد سقوط الدولة الرستمية.
فنسمي الحالة الأولى بالكتمان الخفي، والحالة الثانية بالكتمان الظاهر، وفي كل من الخفي والظاهر يترأس الجماعة الاباضية إمام الكتمان يدعى إمام المسلمين أو إمام القوم أو إمام التحقيق كما كان يسمى عبد الله ابن إباض في صدر نشأة المذهب (90).
إلا أن هذه الإمامة لا تأخذ بعداً سياسياً، فالإمام في مرحلة الكتمان يكون بمثابة الرئيس (في حكومة ) ديموقراطية اباضية تدعى جماعة المسلمين)(91) تتولى هذه الحكومة أو السلطة رعاية الشؤون الداخلية والتنظيمات الاجتماعية للجماعة الاباضية، وتتشكل هذه الحكومة من مجلس متكون من خيرة المشائخ ينتخبون من بينهم رئسا تسند إليه مهام إمامة الكتمان، من أمثلة هذا التنظيم – مجلس المشائخ في عهد الإمام جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ثم الربيع بن حبيب ومن
90 ) انظر سير الشماخي، ص77، جواهر البرادي، ص155، السير العمانية ص110.
91 ) تادوز لويكي، دائرة المعارف الاسلامية مادة الاباضية.