الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش (1236-1332هـ) عدون بن ناصر بن قاسم جهلان

الفكر السياسي عند الإباضية لعدون جهلان

الجزء ١ · صفحة ٤٧

دولته إلى سدراته قرب وارجلان، وهناك حاول الاباضية تأسيس دولة جديدة، لكن الظروف لم تكن مناسبة ولم تتحقق هذه الأمنية منذ ذلك التاريخ. وبهذا دخل الاباضية في مرحلة الكتمان، من جديد، وهي الوسيلة الفضلى للمحافظة على كيانهم، وبلوغ الأهداف العليا والمتمثلة في نشر الدعوة- ولو سرا- وتحقيق الوحدة بين أتباع المذهب وتخفيف حدة التوتر بينهم وبين مخالفيهم من السنيين والشيعة ولأجل ذلك اعتمد الاباضية على أمرين في طور الكتمان:

أولا: تنظيم هيئة خاصة بمثابة السلطة، تقوم مقام الامام أو الخليفة، في مرحلة الظهور، وتتكون هذه الهيئة من العلماء وأعيان القبائل تشرف على هيئات أخرى تفرعت عنها تدعى بمجالس العزابة(95) وتتواجد هذه الأخيرة في كل تجمع للإباضية وإليها يرجع النظر في كل الأمور التي تخص الاباضية سواء في الحياة الدينية أو الاجتماعية. ولا يزال هذا التنظيم قائما على سوقه، معمولا به لدى اباضية الجزائر في وادي ميزاب. وقد اهتدى الاباضية إلى وضع هذا التنظيم في بداية القرن الخامس الهجري على يد الشيخ أبي عبد الله محمد ابن بكر(96).

ثانيا: الابتعاد- ما أمكن- عن مواطن المخالفين والالتجاء إلى الأماكن النائية التي يقل ارتيادها فالاباضية يعتقدون أنه بانزوائهم بعيدا عن أعين الأعداء يستطيعون حفظ مذهبهم وكيانهم وتحقق وحدتهم وتماسك جماعتهم. فاعتمادا على ذلك شرع قسم من الاباضية يغادرون وارجلان و"واد ريغ" ليستقروا في وادي ميزاب حيث أسسوا هنالك مدنا في ظروف طبيعية قاسية، ولا يزالون في تلك المناطق إلى اليوم.

أما اباضية طرابلس فقد التجأوا إلى جبل نفوسة ومدينة زوارة الواقعة على الشاطئ الغربي لليبيا وقسم آخر منهم استقر في جزيرة جربة التونسية(97) حيث لا يزالون إلى اليوم.

95 ) حول العزابة راجع: (الكتمان في الفصل الثاني من الباب الثاني).

96 ) عاش في القرن5هـ، أخذ العلم عن شيخه أبي نوح سعيد بن رنغيل القنطراري. وانتهت إليه مشيخه الاباضية بوادر ريغ وإليه يعود الفضل في انتشار المذهب الاباضي في واد ميزاب. في أوائل ق 5هـ/11م.

97 ) T. Lewicki E. L. P. p 677

٤٧ / ٣٠٣