الجوانب التي راعاها لقمان في تربية ابنه وأثرها على السلوكيات: دراسة تحليلية لقصة لقمان في القرآن الشعيبي، منذر بن خميس بن مشيمل

الجوانب التي راعاها لقمان في تربية ابنه

الجزء ١ · صفحة ٢٧

?

{)

المبحث الأول: عقيدة توحيد الله وأثرها على السلوكيات القلبية والقولية والفعلية

سأتكلم في هذا المبحث عن أثر عقيدة توحيد الله على سلوكيات الأفراد القلبية والقولية والفعلية، وسيكون ذلك موزعا على ثلاثة مطالب، وقبل ذلك سأذكر الموعظة الأولى التي وعظ بها لقمان ابنه وسأضيف بعدها كلاما تمهيديا قبل الشروع في المطالب.

قال الله على لسان لقمان: ﴿يَبْنَى لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: (13)] ومنه نلحظ أن لقمان بدَأَ كَلَامَهُ بِقَوْلِهِ لِوَلَدِهِ: {يَا بُنَيَّ، وهذا النّداءُ مِنْ شَأْنِهِ لَفْتُ الْتِباهِ السَّامِع، وفيه إشاراتُ عَطْفٍ وَحَنَانِ وَتَوَدُّدٍ مِنَ الأَبِ إلى ابْنِهِ، إِذْ هذا النّداءِ أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِ: {يَا فُلَانُ بِاسْمِهِ، وفي هذا النَّدَاءِ أَيْضًا دِلالاتُ رَحْمَةٍ وَشَفَقَةٍ مِنَ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ.

قَالَ ابْنُ عَاشُور [ابْتَدَأَ لُقْمَانُ مَوْعِظَةَ ابْنِهِ بِطَلَبِ إِقْلَاعِهِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ لِأَنَّ النَّفْسَ الْمُعَرَّضَةَ لِلتَّرْكِيَةِ وَالْكَمَالِ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ تَخَلِيَتُهَا عَنْ مَبَادِئِ الْفَسَادِ وَالضَّلَالِ، فَإِنَّ إِصْلَاحَ الِاعْتِقَادِ أَصْلٌ لِإِصْلَاحِ الْعَمَلِ]

وقال السعدي: [وَأَوَّلُ شَيْءٍ وَعَظَ بِهِ لُقْمَانُ ابْنَهُ هُوَ تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَعَدَمُ الإشراكِ بِهِ - سُبْحَانَهُ - فَهُو وَحْدَهُ - جَلَّ جَلَالُهُ - المُسْتَحِقُ لِلْعِبَادَةِ، وَهُوَ وَحْدَهُ مَعْبُودٌ

بِحَقِّ، أَمَّا غَيْرُهُ فَمَعْبُودٌ بِبَاطِلِ، فَمَنْ أَشْرَكَ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ظُلْمًا عَظِيماً.

وَوَجْهُ كَوْنِهِ عَظِيمًا أَنَّهُ لَا أَفْضَعَ وَأَبْشَعَ مِمَّنْ سَوَّى المَخْلُوقَ مِنْ تُرَابٍ بِمَالِكِ الرِّقَابِ، وَسَوَّى الَّذِي لَا يَمْلِكُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْئًا بِمَنْ لَهُ الأَمْرُ كُلُّهُ، وَسَوَّى النَّاقِصَ الْفَقِيرَ مِنْ جَمِيعِ الوُجُوهِ بِالرَّبِّ الكَامِلِ الغَنِيِّ مِنْ جَمِيعِ الوُجُوهِ، وَسَوَّى مَنْ لَمْ يُنْعِمْ بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنَ النِّعَمِ بِالذِي مَا بِالْخَلْقِ مِنْ نِعْمَةٍ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ وَقُلُوبِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا يَصْرِفُ السُّوءَ إِلا هُوَ، فَهَلْ

(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 21، ص 155