الجوانب التي راعاها لقمان في تربية ابنه
الجزء ١ · صفحة ٧٦{on (
المبحث الثاني: غض الصوت وأثره على السلوكيات القلبية والفعلية والقولية
خَتَمَ لقمان وَصاياهُ بِأَمْرِ وَلَدِهِ أَنْ يَغُضَّ صَوْتَهُ وَيَخْفِضَهُ وَلا يَرْفَعَهُ عَلَى النَّاسِ اعْتِدَاءً وَتَهَجُّمًا وَتَسَلُّطًا وَتَعَالِيًا؛ لِأَنَّ أَقْبَحَ الأَصْواتِ صَوْتُ الحَمِيرِ المَعْرُوفَةِ بِأَصْواتِهَا المُرْتَفِعَةِ، قال تعالى على لسان لقمان: وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ} [لقمان: (19)]، فَلا يُبَالِغ كَمَا قَالَ قُطْبُ الأئمة إِلا لِغَرَضِ صَحِيحِ، وَمِنْهُ الأَذَانُ وَالإِنْدَارُ مِنَ العَدُوِّ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الجَهْرِ تُشَوِّهُ الوَجْهَ فَيَذْهَبُ بَهَاؤُهُ، وَغَضُّ الصَّوْتِ أَوْفَرُ لِلْمُتَكَلَّم وَأَبْسَطُ لِنَفْسِ السَّامِعِ وَفَهْمِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقد تحتمل الآية النهي عن كثرة الكلام وعن القول السيء البذيء لولا
التعليل الذي فيها.
.3
قَالَ الفَحْرُ الرَّازي: [وَفِي الْآيَةِ مَسَائِل:
الْأُولَى: هَلْ لِلْأَمْرِ بِالْغَضَ مِنَ الصَّوْتِ مُنَاسَبَةٌ مَعَ الْأَمْرِ بِالْقَصْدِ فِي الْمَشْيِ؟
فَنَقُولُ: نَعَمْ سَوَاءٌ عَلِمْنَاهَا نَحْنُ أَوْ لَمْ نَعْلَمْهَا وَفِي كَلَامِ اللَّهِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَا لَا يَحْصُرُهُ حَدٌ وَلَا يُصِيبُهُ عَدٌ، وَلَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: هُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَمَّا كَانَ شَرِيفًا تَكُونُ مَطَالِبُهُ شَرِيفَةً فَيَكُونُ فَوَاتُهَا خَطَرًا، فَأَقْدَرَ اللَّهُ الْإِنْسَانَ عَلَى تَحْصِيلِهَا بِالْمَشْيِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إِدْرَاكِ مَقْصُودِهِ يُنَادِي مَطْلُوبَهُ فَيَقِفُ لَهُ أَوْ يَأْتِيهُ مَشْيَا إِلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إِبْلَاغ كَلَامِهِ إِلَيْهِ وَبَعْضُ الْحَيَوَانَاتِ يُشَارِكُ الْإِنْسَانَ فِي تَحْصِيلِ
1) اطفيش، تيسير التفسير، ج 11، ص 185
2) ابن عطية، المحرر الوجيز، ج 4، ص 351
(3) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 25، ص 122 - 123، بتصرف