الحقيقة العرفية وتطبيقاتها الفقهية
الجزء ١ · صفحة ١١تمهيد
نشأ العرف قبل أن يعرف التاريخ المكتوب العرف، بحكم البداهة الإنسانية، أو نقول بتعبير آخر
وجود
عن طريق الفطرة السليمة لدى الإنسان فالعرف كان موجودا منذ القدم، فهو قديم بقدمه، فمنذ الإنسان على هذه الأرض كان العرف موجودا، فقد بدأ حياته صيادا على هذه الأرض، تاركا زوجه
وأولاده في كهف وهو يكافح ويكابد مصاعب الحياة؛ باحثا عن لقمة العيش وذلك من صيد يصيده أو ثمار يجنيه لعائلته الصغيرة التي تنتظره، وفي ظل هذه الظروف مثل لنفسه ومحيطه أعرافا معقولة، بل معتبرة عند بني جنسه، فمثلا جاره يعرف أنه لا يمكنه أن يعتدي على هذه الأسرة ولو في وقت غياب ربها، سيرد العداوة أيضا، ومثلا لو حصلت عداوة سيكون هناك عرف آخر وهو تدخل طرف ثالث ليصلح الأمر، فإن رضي الأطراف بذلك فقد اعترفوا به وصار عرفا لهم، وكذلك من تعايش، وتعاون، وتبادل للمصالح على مستوى الأفراد أو على مستوى القبيلة البدائية، كل هذه الأمور وغيرها تعتبر أعرافا
لأنه
بالنسبة لهم.
له
وعندما جاءت الشريعة الإسلامية؛ هذبت أعراف الناس وعاداتهم، فأقرت شيئا وهذبت شيئا وأبعدت آخر، فالشريعة أقرت بعض الأعراف السابقة، وذلك لحفظ المجتمع وحفظ الروابط الاجتماعية بين الناس، ولا ريب أن الشريعة أبقت هذه الأعراف لانسجامها مع أصولها ومن ذلك باب المعاملات؛ والعقود وإلى غير ذلك من الأعراف … التي كان تشريعها عبارة عن امضاء الشارع لها وإقرارها؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرَبَوا﴾ [البقرة: 275]
كما أن الشريعة قومت بعض الأعراف، وعدلتها وأضافت عليها شروطا، كمثل أحكام القصاص، والديات والطلاق والعدة، إلى غير ذلك من الأعراف.
6