الميزابيون والبناء الحضاري
الجزء ١ · صفحة ١١٨ارْتَضَى لَهُمْ وََليُبَدِّلنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمُ أَمْنًا يَعْبُدُونِي لا يُشْرِكُونَ بِِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ} … (النّور/ 55)
إباضيّة بني مزاب مواقف ثابتة(1)
" كُلُّ مسلمٍ بشمال إفريقيا، يؤمن بالله ورسوله ووحدة شماله هو أخي وقسيم روحي. فلا أفرّق بين تونسي وجزائري ومغربي، وبين مالكي وحنفي وشافعي وإباضي وحنبلي، وبين عربي وقبائلي، ولا بين حضري وآفاقي، بل كلّهم إخواني، أحبّهم وأحترمهم وأدافع عنهم ماداموا يعملون لله والوطن. وإذا خالفت هذا المبدأ، فإنّي أَعْتبرُ نفسي أعظمَ خائن لدينه ووطنه."
وأنت تقرأ هذه الأسطر يشدُّ انتباهك قوّة معانيها، ومتانة تراكيبها، إذ أنّها تعكس جزالة قلم صاحبها، وعزّة وإباء شخصيّته، وسلامة سريرته، وافتخاره بوحدة أمّته ووطنه. إنّ في هذه الأسطر حكمة بالغة، وموعظة جامعة. فإنّي لمتأكّد بأنّ لها وقعًا بليغًا على القارئ، يجعله توّاقًا لمعرفة صاحبها. إنّه شاعر الثّورة الجزائريّة، المجاهد بالقلم مفدي زكريّاء اليزقني الغرداوي الجزائري، ذاك الذي كانت أشعاره - ولا زالت – أشدَّ وقعًا على العدوِّ المستدمر من رصاص البنادق، إنّه يدعو من خلال هذه الأسطر إلى الوَحدة والأخوّة والمحبّة، ونبذ الفرقة والعصبيّة، والإخلاص لله والوطن.
وها نحن اليوم نتأسّف لما نراه من فتنة مغرضة بين أبناء شعب واحد وبلد واحد، فتنة أذكت نارها خصلة من خصال الجاهليّة الأولى، فتنة أيقظت فتنًا نائمة وعصبيّات كانت قد قبرت منذ عهود. ثمّ إنّي أستسمحك أخي الفاضل أن تركّز معي وتنظر مليًّا في هذا السّرد البسيط للمواقف الوطنيّة الثّابتة للإخوة الميزابيّين عبر مراحل مختلفة من التّاريخ، لكي تتّضح لك بعض الحقائق؛ لأنّ الرّجال مواقف كما قال الشّيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله والتّاريخ يشهد.
في سنة 1510م/ 916هـ شارك الشّيخ (بَاحِيُّو بن موسى) وفرقته الفدائيّة من الفرسان المرابطين في السّواحل الجزائريّة ضدّ الغزاة الإسبان
(1) - ينظر كتاب أقلام الهداية في فتنة غرداية، ص: 74، 75.