الميزابيون والبناء الحضاري محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الميزابيون والبناء الحضاري

الجزء ١ · صفحة ٣٥

التّربية الخلقيّة والعقليّة، فتطبع بجوّها وقسمها، وبكل ما يقع فيها أعضاءَها بالصّفاء والمحبّة."(1)

يقدّم الشّيخ الدّبوز صورة حيّة عن جمعيّة الشّباب، وهو الذي عاش فيها، وعايشها وجدانيًّا، وأسهم بأعمال علميّة وأدبيّة فيها، وشاهد بنفسه النّتائج الكبيرة التي تَحصَّل عليها الطّلبة فيها وبها، والثّمار اليانعة والجيّدة التي قطفها المجتمع منها: " كان جوّ الجمعيّة من أوّلها إلى آخرها ممتعًا قويًّا، يختلط فيه الجدّ القويّ بالمرح والصّفاء، فنشعر بلذّة عقليّة ونشوة روحيّة، لا تجدها في مكان. وكان الصّفاء الذي يملؤها يورثها سحرها للقلوب وخلابتها للنّفوس، فترى أعضاءها كلّهم على النّشاط العقلي والمتعة الرّوحيّة، التي تبدو لك في أسرّتهم المتهلّلة، وعيونهم الضّاحكة، وأحاديثهم التي تدلّ على الانشراح والأفراح.

إنّ جوّ الجمعيّة المرح، وصفاء النّفوس الذي يملؤها هو سبب اقتدارها الكبير على التّربية، فجنى منها معهد الحياة في كلّ أدواره الخير العظيم، ورأى منها في التّربية العقليّة والخلقيّة والوجدانيّة النّتائج العظيمة التي لا تحصى، فلولا ذلك المرح ما نشطت العقول، فعملت بأقصى قوّتها فترقّت، وما تفتّحت النّفوس فأقرّت فيها الجمعيّة كلّ ما تريد من عقائد وعواطف وأخلاق، وما تنزّل الكبار إلى مستوى الصّغار، فتمتزج أرواحهم وعقولهم، فيتأثّر الضّعيف بالقويّ، فيكتسب من قوّته وحصافته، فيكون على وجدانه القويّ المتأجّج غرامًا بالعلم والمعالي، وعلى شجاعته الأدبيّة، فيزداد نشاطًا في الجمعيّة، ويلقي بدلوه مع الدّلاء في كلّ أعمالها، فيفوز بالخير الكثير. "(2)

أمّا الشّيخ عدّون مؤسّس الجمعيّة فيركّز على جانب آخر من جوانب التّأثير الإيجابي لجمعيّة الشّباب، وهو دورها في مسيرة معهد الحياة، الذي تعدّ الجمعيّة بنتها، أو من نتاجها. يقول: " كان لهذه الجمعيّة أثر كبير في سير المعهد وتقدّمه، بل هي الرّوح المسيّرة، والدّماغ المفكّر. وكان لها

(1) - المصدر السّابق، ص: 121.

(2) - المصدر السّابق، ص: 123. عن نظام سير جلسات جمعيّة الشّباب، والأعمال التي تقدّم فيها ينظر نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 124 – 126.

٣٤ / ١٣٠