الخليج بلدانه وقبائله لمايلز- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦1
296 -
-
وليلة ترسم لنا أصدق صورة لمجتمع بغداد فى ذلك الوقت وتتعمق بنا في طبيعة الحركة التجارية الهائلة فى عاصمة الخلفاء، كما كانت حوانيت العطارة وباعة الروائح تزخر بأصناف العقاقير الطبية والعطور التي كانت تملأ الأجواء بشذا العنبر واللبان والعود والصبر والمر وماء الورد والمسك وجميع أصناف توابل الأرخبيل كما كان التجار يعرضون في محلاتهم الأنواع المختلفة من حرير الهند والصين وفارس، ومن موسلين الهند ومنسوجات القطن العمانية والمطرزات وغيرها من أنواع المنسوجات المصنوعة فى فارس، وأما الصياغ فقد كانت محلاتهم زاخرة بالمعروضات المتنوعة من لآلئ البحرين وأحجار سرنديب (سير الانكا) والماس جولكوندا، وخزف الصين وشالات كشمير وغيره من المنتجات الهندية وسجاجيد فارس وعاج إفريقيا وأصماغ أويل.
ويمكننا أن نتصور بحق أسواق المدن الشرقية في العهود الأولى للإسلام والتي كانت تشبه فى طبيعتها وفى منظرها أسواقها اليوم، وهى تعج بجموع الناس والمتجولين من أصحاب الحرف على اختلاف أجناسهم وألوانهم، السائقون، والباعة المتجولون والجمالون وكذلك الحمير المحملة بقرب الماء والبغال والجنود والقسس والشيوخ مزاج غريب من المخلوقات، وهم يتدافعون بالمناكب ويسرعون فى حركتهم، فرادى وجماعات وسط الأزقة الضيقة والأسواق المسقوفة أو المسردية في بغداد والبصرة وسيراف وصحار والموصل ودمشق، وكل جنس أو قوم أو مذهب له زيه ومظهره المميز الخاص، ولعل الغريب فى تلك الأسواق قد يندهش من أنواع الروائح المختلفة الغريبة التى تملأ الأجواء بروائحها العطرة. ولا مجال للشك في أن البائع أو صاحب البضاعة كان يجلس على الأرض ساكنا في كبرياء مزهوا بعرض بضاعته فى صمت، ويطلب من المشترى كما يفعل اليوم أعلى سعر يمكن أن يحصل عليه، وكان يقدم سلعته للمشترى بدون تعليق، ولايزعجه بالحديث عن غيرها من السلع التي كان يعرضها.
وكان هناك اعتقاد يسود الأوساط العربية في ذلك الوقت وهو