العائلة الشماخية: رحلة ألف سنة، دراسة في الأنساب والشخصيات نور الدين الشماخي

البلاد السعيدة لبرترام توماس

الجزء ١ · صفحة ٢٢١

221

فقد

درج سكان المدن على اتهام البدو بعدم التقيد بالفرائض الدينية، غير أن هذا الاتهام لم تثبت صحته من خلال تجربتى معهم، فقد كان المرافقون حريصين على تأدية الصلاة في أوقاتها بحماس بالغ بالرغم من المخاطر التي يتعرضون لها في الصحراء، وهم يذكرون الله صباحا وظهرا ومساء، بينما شبح العطش والجوع يطاردهم باستمرار، والوحوش تجوس خلال الصحراء على مقربة منهم

1

ولعل الوعى بتلك الأخطار التى تحيط بهم قد جعل منهم ـ مثلهم في ذلك كمثل جنودنا وبحارتنا من الجيل السابق - مزيجا من التوكل والقدرية التي يمارسونها بسذاجة تشبه الأطفال. وهذه السذاجة ليست السمة الوحيدة لتلك العقلية، ولكنها فى الواقع المحور الذي تدور حوله حياتهم والذى تنعكس مبرراته العملية على جوانب معيشتهم اليومية وتشكل قاعدة أساسية يعتمدون عليها في تلك البيئة القاسية، الى جانب العقلية البدوية التي لا تختلف في جوهرها عن التقاليد السائدة عندنا في الغرب، وعبارة بسم الله الرحمن الرحيم .. هى الصيحة التي أسمعها من هؤلاء البدو كل صباح عندما تبدأ الرحلة، وكثيرا ما كنت أسمع بعض المرافقين لى يصيح بعد فترة من الصمت بقول (اللهم أكفنا شر ما فى الغيب) والمقطع الأخير كلمات آذان الصبح الذى ينادى به المسلمون للصلاة تصاحبه دعوات وتضرعات كثيرة من أولئك البؤساء، وهم يرتعدون من شدة البرد في طريقهم لتأدية صلاة الصبح، وكل متعصب من المسيحيين يستطيع رغم تعلقه الشديد بالشئون الدنيوية أن يتعلم من أولئك القوم أشياء كثيرة اذا ما اختلط أو عاشرهم وذلك من خلال تسليمهم المطلق وايمانهم العميق بخالق الكون، وكثيرا ما كان يحدث ونحن جلوس أن ينادى أحدهم بقوله «لا إله

من

بهم

إلا الله».

وذات مرة عندما كنا جميعا جلوسا فى المخيم صاح أحد البدو الذى كان ينتمى الى قبيلة مرة) لا تخفوا ايمانكم أيها المسلمون). وقد قالها

٢٢١ / ٤٠٨