العمارة الإسلامية في بني مزاب بالحاج بن بنوح معروف

العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف

الجزء ١ · صفحة ١٨

L

311

30

هذا اختاروا لمواقع مدنهم تلالا صخرية قاحلة (1).

1 - هيكلة المدينة المزابية:

تتشكل المدن المزابية من مجموعة من المنشآت والمباني المتنوعة التي تتدرج على منحدر الهضبة، وعلى الرغم من تميز وظائفها إلا أنّها تشكل فيما بينها كتلة واحدة. وقد اعتمد المزابيون في عملية البناء على نظام معماري يقوم على التدرج في تقسيم المجالات حسب أصنافها، وعلى حسب الهيكلة الاجتماعية المتشبعة بطبيعة الحال بالفكر الإباضي الذي يعتمد أساسا على مبادئ وقيم الدين الإسلامي الحنيف بداية من الخلية الواحدة داخل المجتمع (الأسرة) وصولا إلى القبيلة، كما أنهم اعتمدوا أيضا في نظام بناء المدينة على مبادئ أخرى يمكن أن نلخصها فيما

يلي: - مبدأ داخلي وخارجي: إن مفهوم الداخل والخارج عند المجتمع المزابي هو مفهوم ثقافي عقائدي لا شخصي أو ذاتي، فأما الفضاء الداخلي فهو المجتمع بأسره، وأما الفضاء الخارجي فيتمثل فيما هو خارج عنه (2).

- مبدأ العام والخاص: تحتوي المدينة المزابية على مجالات خاصة وعامة بالنسبة الأفراد وجماعات هذا المجتمع، فالطرق مثلا تنقسم إلى خاصة وعامة (3).

- مبدأ ديني ودنيوي: انطلاقا من أنّ كلّ ما هو ديني له سمة العلق والرفعة، فالمسجد صار يحتل قمة الهضبة، وتلك المئذنة ذات الشكل الهرمي الناقص التي ترتفع بشموخ بجانبه تميزه عن غيره من المباني الأخرى. وكلّ ما هو دنيوي يأخذ مكانه في أسفل المدينة، فالسوق التي تجرى فيه المعاملات التجارية يُبعد عن الأمكنة الدينية بقدر الإمكان، وهذا لا يعني أبدا القطيعة بينهما ().

وتخضع الهيكلة العامة للمدينة المزابية للقواعد العامة المتبعة في تخطيط المدينة الإسلامية، ولكن نظرا لظروف اجتماعية واقتصادية وبيئية فرضها العرف وطبيعة البيئة ومناخها، فإنّها تميزت عن غيرها من المدن الإسلامية الأخرى، وأصبحت تحمل نمطا معماريا متميزا.

2 - التركيب العمراني للمدينة المزابية

يبتدأ الفريق المؤسس للمدينة (حلقة (العزابة ببناء المسجد بعد اختيار موقع مناسب فوق أعلى قمة الهضبة، ثم يقومون بعد ذلك برسم حدود المدينة بأسوار وأبراج، وأخيرا يقوم السكان بتشييد مساكنهم انطلاقا من حوالي محيط المسجد إلى غاية الأسوار، وبالطبع فإنّ بناء المساكن يتم على قواعد عرفية عمرانية بحتة تستند على أسس أربعة يأتي في مقدمتها تعاليم الدين الإسلامي ثم النشاطات الاجتماعية، وعنصر الاقتصاد ومعطيات المحيط البيئي.

وتشتمل كل المدن على أسوار إما) سور بأتم معنى الكلمة أو مجموعة من المساكن التي تشكّ ل السور أحيانا بجدرانها الخارجية، وأبراج تحميها من الخطر الخارجي، وقد فتحت في هذه الأسوار أبواب رئيسية وثانوية تؤدّي كلّها إلى الطرق الرئيسية.

وتمثل الطرق شرايين الحياة بالنسبة للمدينة، وقنوات الاتصال فيها. وتنقسم إلى طرق رئيسية وطرق فرعية، كما أنّها تنقسم إلى طرق عامة وطرق خاصة، وطرق نافذة وغير نافذة تختلف باختلاف وظائفها والمنافع المرتبطة بها. وتكون هذه الطرق في أغلب الأحيان متعرجة وذات انحدار شديد تماشيا مع عوامل جغرافية ومناخية. ويحتل السوق عموما مكانا قريبا من السور، ويكون تصميمه على أشكال مختلفة طبقا للمساحة المتاحة. وبالإضافة إلى الدور التجاري، فالسوق تؤدّي دورا مهما في المجال الاجتماعي باعتباره أوسع مكان عمومي، وفضاء ملائم لملاقاة السكان من الرجال لكونه يعد مجال رجالي.

أما المقابر فإنها تحتل مساحات شاسعة في المحيط الخارجي للمدينة المزابية، وكلّ مقبرة تخص عرش أو عشيرة معينة دون سواها، وتُعدّ هذه المقابر نظرا لتوسعها الكبير بمثابة مدينة للأموات (1).

وقد شُيّد على العموم في كلّ مدن مزاب (باستثناء مدينة العطف) مسجد واحد يحتل قمة الهضبة، ويشرف على كلّ المباني الأخرى بفضل مئذنته الهرمية الشكل، ويعد أيضا مقر للسلطة الدينية (حلقة العزابة). ويجاور المسجد في أغلب الأحيان المدرسة التي تعد من أهم ملحقاته، وذلك بفضل ما تؤتيه هذه المنشأة من دور تربوي وتعليمي داخل المجتمع المزابي.

(1) - C et P Donnadieu / H et J.M Didillon: Habiter le désert، Les Maisons Mozabites، 3 é Ed، Ed Pierre Mardaga، Bruxelles، pp: 46 - 48.

(1) - محمد التريكي وخالد البوزيدي: المرجع السابق، ص: 41.

(2) - مرجع نفسه، ص 46

(3) - مرجع نفسه، ص 48 (4) - مرجع نفسه، ص: 48 - 49

Scanned by CamScanner