العمارة الإسلامية في بني مزاب بالحاج بن بنوح معروف

العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف

الجزء ١ · صفحة ٢٥

45

44

ويقدم هيغى (1) نقلا عن مصادر قديمة روايتين مختلفتين عن خراب هذا القصر، فيروي في الأولى أنه كلما عزم شخص على الزواج في القصر فلا يحق له الدخول على عروسه، إلا بعد أن يدخل عليها شيخ القصر. وفي أحد الأيام مرّ على القصر شخص سعيدي يقود جملا يحمل هودجا، بداخله عروس، فأمره الشيخ أن يقدّم له عروسه ليدخل عليها، قبله، فأبى السعيدي ولم يتوان الشيخ في قتله. وكانت هذه الحادثة سببا في قيام حرب بين أهل تالزديت والسعيديين

لقد كان من الضروري على الإباضين البحث عن كيان جغرافي يوحدهم بعد شتاتهم في أرجاء المغرب الكبير، ويحميهم ويحمي مذهبهم وعقيدتهم من الضياع والفناء. فلما انعقد مؤتمر أريغ (1) حوالي سنة 420 هـ / 1029 م للنظر في مسائل تخص الإباضيين اللاجئين الجدد، والبحث عن حلول لمواجهة مشكل اكتظاظ منطقة أريغ بالسكان. فاتفق الإباضية على انتداب أبي عبد

وكانت النتيجة خراب القصر. وأما الرواية الثانية فتذكر أنّ أولاد ناصر هم الذين خربوا الله محمد بن بكر للبحث عن منطقة جديدة تكون بعيدة عن أطماع الغزاة وتأوي إليها جموع

القصر (2).

لنا أن خراب معظم هذه القصور المزابية القديمة كان بسبب الانقسامات والانشقاقات ويبدو الداخلية التي أتت في معظم الأحيان إلى الصراع والتطاحن والاقتتال بين أهالي هذه القصور من جهة، وبينهم وبين النازحين الإباضيين من جهة أخرى.

3 - النزوح الإباضي وتأسيس مدن مزاب يبدو أنّ معتزلة بني مزاب كانوا آخر بقايا المعتزلة في بلاد المغرب الأوسط في القرن الخامس الهجري، وقد تمكنوا من الاحتفاظ بمذهبهم نظرا لقساوة الطبيعة وصعوبة العيش في المنطقة، بحيث أصبحوا في منأى عن أطماع الغزاة).

تتفق كل المصادر الإباضية) على أنّ اعتناق المزابيين للمذهب الإباضي، وتخليهم عن المذهب المعتزلي كان بفضل مجهودات العلامة الإباضي أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي (5).

(2) - Ibid، p:586.

(1) - ينظر: 586: J. Huguet: Les Villes … . p (3) - بحاز إبراهيم: "الميزابيون المعتزلة - قراءة جديدة لنصوص قديمة - " مجلة الحياة، العدد 1 المطبعة العربية، نشر جمعية التراث القرارة، غرداية جانفي 1998، ص: 131 (4) - أبو زكرياء المصدر السابق، ص 255 (5) - أبو عبد الله محمد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطاني النفوسي يعد أحد أقطاب الإباضيين، والمصلحين الدينيين والاجتماعيين في بلاد المغرب، ولد بفرسطاء في جبل نفوسة سنة 345 هـ/ 956 م، وأخذ مبادئ التعليم في مسقط رأسه ثم ارتحل إلى الحلقة وجربة طالبا الاستزادة في العلم على أكابر المشايخ الإباضية وغيرهم، منهم أبو زكرياء فصيل بن أبي ميسور وأبو نوح بن زنغيل، وانتقل بعد ذلك إلى مدينة القيروان للتبحر في علوم اللغة العربية، ولما اضطلع في العلم توجه إلى بلدته وشيد فيها مسجدا لازال يحمل اسمه، كان أبو عبد الله كثير التجوال، إذ كان يتنقل من منطقة إلى أخرى، حتى أنه كان يترتد على منطقة وادي مزاب، ومن أهم ما قلم به هذا العالم الإباضي تأسيس نظام اجتماعي يسمّى نظام العزابة. وقد توفى سنة

440 هـ / 1048 م.

ينظر أبو زكرياء المصدر السابق، ص: 173 - 182. وينظر أيضا أبو العباس أحمد الدرجيني: كتاب طبقات المشايخ بالمغرب، تح إبراهيم طلاي، ج: 2، مطبعة البعث، قسنطينة،

391 - 377:

الإباضية من المهاجرين وسكان أريغ الذين كانوا يعانون من ملاحقة سلاطين الدول المتعاقبة على المغرب الأوسط لهم (الفاطميون والزيريون والحماديون … الخ) واضطهادهم إياهم (2).

أخذ أبو عبد الله يتجول مع ابنه وغلامه في جنوب الصحراء بحثا عن منطقة تكون بعيدة عن أطماع الملوك، فوقع اختياره على منطقة وادي مزاب على الرغم من قساوة طبيعتها وصعوبة العيش فيها، ويذكر أبو زكرياء أنّ أبا عبد الله كان يقضي شتاءه في أريغ ويتوجه في فصل الربيع إلى بادية مزاب (3). ومن هنا يبدو أنّه كان يتنقل باستمرار إلى المنطقة قصد إقناع سكان المنطقة باعتناق المذهب الإباضي .. ويفهم من خلال ما ذكره أمحمد أطفيش أنّ الاستجابة لم تكن بالأمر الهين بالنسبة للداعية أبي عبد الله، إذ إنّ معتزلة وادي مزاب قتلوا أحد أبنائه وهو إبراهيم عند تنقله إلى المنطقة. كما أن الاستجابة لم تكن جماعية، فقد ظلّ عدد كبير من بني مزاب على مذهب المعتزلة لفترة كبيرة من الزمن، حتى أنّه حدثت مناوشات ونزاعات عديدة بين الطرفين، أتت في بعض الأحيان إلى اندثار قصر بكامله، كاندثار قصر أَغَرْمْ نْوَادَاي (القصر السفلي)).

وبعد أن اعتنق بنو مزاب كلّهم أو بعض منهم المذهب الإباضي، بدأت تتوالى على المنطقة هجرات جماعية أو فردية من بقاع مختلفة من شمال إفريقيا ويمكن أن نرجع سبب هذه الهجرات المتتالية إلى سببين رئيسيين:

(1) - يقع وادي ريغ في منخفض مستطيل الشكل، يبتدئ من رأس الوادي بأعالي مدينة المغير وبالضبط بقرية عين الصفراء بلدية أم الطيور ولاية الوادي الجزائرية عند شط ملغيغ شمالا، ويمتد في شكل مستطيل على نحو 160 كلم جنوبا إلى غاية قرية قوق التابعة لبلدية بلدة عمر التي يوجد بها ضريح الولي الصالح سيدي بوحنية وتبعا للوحدة التاريخية والعرقية لهذا الإقليم فإنه حظي بكتابات بعض المؤرخين العرب والعجم أمثال ياقوت الحموي الذي سماه الزاب الصغير) في معجمه البلدان وابن خلدون (بلاد ريغ أو أرض (ريغ) و هو الذي حدد جنس سكانه يقوله (ريغة وسنجاس من بطون مغراوة وقد اختطوا قرى

كثيرة في عدوة واد ينحدر من الغرب إلى الشرق.

(2) - إبراهيم متياز المصدر السابق، ص 62.

(3) - أبو زكرياء يحي المصدر السابق، ص 255 ..

(4) - J. Huguet: Les Villes Mortes … ،p : 588.

Scanned by CamScanner