العمارة الإسلامية في بني مزاب بالحاج بن بنوح معروف

العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف

الجزء ١ · صفحة ٣٤

62

في المرعى، وأعزبها صاحبها وأعزب إبله أي بيتها في المرعى ولم يرحها (). وانطلاقا من هنا فإنّ كلمة العزابة إذا مأخوذة من عزب عن أهله أي انفرد وانقطع عنهم.

وأما المعنى الاصطلاحي فيُقصد به الاعتزال والغربة والبعد عن الشهوات الدنيوية وكمالياتها خدمة للدين الإسلامي الحنيف وخدمة للمجتمع، انطلاقا من الأمر بالمعروف والنهي

عن المنكر مبتعدا عن مفاتن الدنيا (2).

بدأ هذا النظام لغايات تعليمية بحتة هدفه تكوين التلاميذ الذين كانوا يجلسون إلى شيخهم في شكل حلقة دائرية، ومن هنا أخذ هذا النظام اسم الحلقة، ولكنّ هذه الحلقة تطوّرت حسب الظروف الزمانية والمكانية وحسب العوامل الداخلية والخارجية وتجلى هذا التطور لا سيما بعد نشأة المدن المزابية، فأصبح نظام العزابة متكاملاً بأتم معنى الكلمة يهتم بكل نواحي الحياة الفردية والجماعية من الجانب الديني والاجتماعي والاقتصادي. 1 - 1 - 2 - نشأة حلقة العزابة:

63

محمد بن بكر نظام حلقة العزابة بمسجد المنيّة سنة 408 هـ / 1018 م ولقبوا هذا النظام بالسيرة المسورية البكرية، وانتقل أبو عبد الله إلى بني مغراوة فجهز غارا بتين اسلي خصصه للتدريس، وفي هذا المكان أرسى معالم النظام الجديد ووضع قواعده وقوانينه (1). خص أبو عبد الله المنضمين إلى الحلقة بعلامات ليتميزوا عن سواهم، فمن بين هذه الخصوصيات حلق الشعر، وارتداء ثوب ذي لون أبيض، وتغطية الرأس بلحاف، ويشترط في اللباس أن يكون نقيا ونظيفا وطاهرا. كما يُشترط في عضو العزابة أن يكون أديباً كيساً ومستعداً للتضحية في سبيل الله، وأن يسعى في طلب العلم، ولا يكثر دخول الأسواق، وأن يكون حافظاً للقرآن الكريم، ويُشترط عليه أيضا اتباع سلّم الارتقاء ضمن الهيئات داخل نظام العزابة (2) ويمكن لأي شخص أن يلتحق بالحلقة إذا توفرت فيه هذه الشروط.

إن نظام الإمامة أثناء فترة الظهور عند الإباضية يقوم على أساس الشورى، واعتمادا على هذا المبدأ أصبحت حلقة العزابة في فترة الكتمان بمثابة مجلس الشورى، ولكن السلطة التنفيذية يعود تاريخ ظهور هذا النظام إلى القرن الرابع الهجري، فبعد أن شعر الإباضية في تختلف من وقت إلى آخر، كون فترة الكتمان تقتضي الحرص وتجنّب كل ما من شأنه أن يجلب قصطيلية وأريغ وجربة وجبل نفوسة وورقلة أن لا حول ولا قوة لهم لتكوين إمامة الظهور، فكر الهلاك للجماعة الإباضية وللمذهب بالخصوص في حالة عدم وجود ضرر في تطبيق حدود شيوخهم ملياً في إنشاء نظام يتماشى وطور الكتمان الذي ارتضوه لمذهبهم، ويحفظ كيانهم، الشريعة الإسلامية فإنّهم يقيمونها، وأمّا في حال العكس فإنّهم يكتفون بمبدأ الولاية والبراءة وهذه طبعا سنة أسلافهم في البصرة إبّان المرحلة السرية التي اتبعها الإباضيون في عهد بني أمية.

ويجمع شملهم، وذلك دون أن يعرضهم لهجمات السلاطين الذين كانوا يخشون ثوراتهم (3).

2 - 1 - 2 - هيئة العزابة:

تعد المساجد مقرات رسمية لهذه الهيئة، ويُعتقد أنّ أوّل من اتخذ المسجد مقرا كان أبو زيد

وتذكر المصادر الإباضية أن أبا زكرياء) لما تولّى زعامة جزيرة جربة الإباضية، فكر مليا في إنشاء نظام يقوم بتسيير المجتمع الإباضي، فأرسل سنة 408 هـ/ 1018 م ولديه زكرياء عبد الرحمان بن المعلى (3). وتعد هذه الهيئة أعلى سلطة تنفيذية وتشريعية وقضائية في المدينة ويونس ضمن جماعة من الطلبة إلى تلميذه الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر، وألح عليهم التفكير المزابية، ولها سلطة روحية على العامة، وتتألّف الهيئة من اثني عشر عضواً كحد أدنى اقتداء بمؤسس الحلقة ويمكن إضافة أعضاء آخرين إذا ما اقتضت الظروف مراعاة للمصلحة العامة ليصل في بعض الأحيان إلى أربع وعشرين عضوا. ولكل عضو ينتمي إلى الحلقة مهامه

رفقة أستاذهم في سنّ النظام الذي يتصوّره. فلبّى أبو عبد الله رغبة طلبته، وطلب منهم مهلة للتفكير في إرساء دعائم نظام تربوي وديني، وبعد أربعة أشهر من التفكير أسس أبو عبد الله

(1) - ابن منظور: لسان العرب، ج: 1، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت 1968، ص: 79 - 81 (2) - فرحات الجعبري: نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة المعهد القومي للآثار و الفنون، المطبعة العصرية، تونس

1975، ص: 68

(3) - مرجع نفسه، ص 25

(4) - فيصل بن أبي مسور يجان بن يوجين اليهرسني الملقب بأبي زكرياء من أفذاذ علماء جزيرة جربة بتونس، تلقى العلم عن أبيه ثم عن الشيخ أبي خزر بن زلتلاف، وتولى التدريس، وإليه يرجع الفضل في التخطيط لإنشاء نظام العزابة، وانتقى لتجسيد فكرته أبا عبد الله محمد بن بكر. وتوفي أبو مسور ما بين 420 - 440 هـ/ 1029 - 1048 م. ينظر جمعية التراث المرجع السابق، مج 4، ص: 707 - 708

وواجباته.

كيف يتم إدماج عضو جديد في حلقة العزابة؟ فبعد أن يقع الاختيار على عضو جديد

(1) - الدرجيني المصدر السابق، ج 1، ص: 167 169 (2) - فرحات الجعبري: نظام العزابة، ص: 70. (3) - عوض خليفات: النظم الاجتماعية، ص: 31.

Scanned by CamScanner