العمارة الإسلامية في بني مزاب بالحاج بن بنوح معروف

العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف

الجزء ١ · صفحة ٦٢

119

118

يبدو أن الغار كان يكفل قدرا من الحماية والأمان للمجموعات المضطهدة فقد اتخذ ولتدعيم هذه الفكرة والاستدلال على عملية تحوّل المدرسة إلى مصلى جنائزي، يمكن أن الرسول صلى الله عليه وسلم غار ثور ملجأ يحتمي فيه ضد أعدائه الذين كانوا يريدون القضاء عليه، كما أن نضيف إلى ما سبق ذكره إطلاق تسمية المحضرة إلى يومنا على هذا النوع من المباني، مع العلم أن اسم المحضرة كان يقصد بها المدرسة في منطقة وادي مزاب. إذن فالمصليات الجنائزية للظروف التاريخية جعلت المجموعات الإباضية تقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم، وتلجأ إلى المغارات نشأت من فكرة المدرسة أو ما يسمى بالمحضرة ثم تحولت إلى مصليات جنائزية بمجرد دفن فرارا من مضطهديهم، وقد تكون هذه المغارات على شكل سراديب تحت الأرض تُمارس في الشيخ العالم ولاحقيه من أبناء عرشه بجوارها. فإذا كانت هذه المنشآت المعمارية تؤدي في داخلها مهنة التدريس، ولنا في التاريخ الإباضي أمثلة عديدة نذكر منها على سبيل المثال لا البداية وظيفة التدريس، فما هو دورها الجديد بعد تحوّلها إلى مصلّى جنائزي؟ الحصر الغار الذي أوى إليه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وتلاميذه ممن يُطلق عليهم اسم

عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي وتلاميذه في حملة العلم" (1)، والغار الذي احتضن أبا تين إيسلي حين أراد الانعزال مع تلاميذه قصد التعلم والتفقه في الدين والمذهب (3). وليس أدل على ذلك ما قام به عمّي سعيد الجربي عندما استقر في مزاب، حيث خصص المصلى الذي ابتناه المصلّى الجنائزي عمي سعيد لأداء مهمة التدريس، وذلك استنادا إلى تقاليد بلده الأصلي جربة.

إضافة إلى أداء صلاة الجنازة، تستقبل تلك المصليات الجنائزية في فترة محددة من السنة عدداً هائلا من دارسي القرآن الكريم بدءا بأعضاء حلقة العزابة والهيئات المرتبطة بها إيروان وإمصوردان وحتى التلاميذ الصغار الذين يتوافدون نحو المصلى منذ الصباح الباكر، ثمّ ينقسمون إلى مجوعات على حسب درجة حفظهم للقرآن الكريم، وقد خصص لكل مجموعة فضاء معين. ويقوم الوافدون بتلاوة القرآن الكريم حتى الزوال، ثمّ ينصرفون ليعدوا في المساء قبل صلاة الظهر، حيث يتم اختتام القرآن الكريم. وخلال الفترتين الصباحية والمسائية يتم توزيع إن فكرة الاختلاء بالطلبة في أماكن بعيدة عن التجمعات السكانية تجعل الطلبة ينصرفون الأطعمة التمر والخبز والكسكس وحتى اللحم … الخ) المعلقة على المصلى الجنائزي في ملهيات الحياة، كما تضمن لهم التفرّغ الكامل للتحصيل العلمي والتربية فقط، كل. شكل أوقاف أو حبوس أو صدقات، ويستفيد من هذه الأطعمة (الكسكس) إلى جانب الدراسين ويبدو أن الزوايا في بلاد المغرب قد نشأت من نفس الفكرة، ولنا في تاريخ التصوف ببلاد جميع حاضري الختمة وعدد كبير من المحرومين والفقراء والمساكين. أمثلة المغرب

تماما عن

عديدة.

وبعد وفاة العالم يدفن إلى جوار مدرسته أو خلوته، ثمّ يُدفن إلى جواره بعد ذلك كلّ من ينتمي إلى عشيرته أو عرشه، ثم تتحوّل الأراضي المجاورة للمدرسة شيئا فشيئا إلى مقبرة حقيقية، ثم تحيط هذه القبور بها من كل الجهات باستثناء جهة القبلة، وعندئذ يتحول ذلك المبنى (المدرسة إلى مصلّى جنائزي، فيحمل اسم العالم الجد، كأن نقول مثلا مقبرة الشيخ عمي سعيد أو مقبرة الشيخ بالأمحمد، ثم تندمج المقبرة مع المصلّى. وهكذا تتغير وظيفة المبنى طبيعيا من مدرسة إلى مصلى جنائزي، حيث تقام صلاة الجنازة وبعض الشعائر الدينية التي لها علاقة بالميت

بعض

وتبرز أهمية هذه المباني فعلا أثناء ظهور الكوارث مثل المجاعات والأوبئة التي تودي بحياة العديد من السكان الذين يمكن أن تستوعبهم هذه الأماكن، فتقام عليهم صلاة الجنازة

فيها (1).

ولا بد من الإشارة هنا إلى أنّ الصلوات الخمس لا تقام في هذه المباني، اقتداء بالأحاديث النبوية التي تحرّم اتخاذ المقابر مساجد فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام (2).

(1) - عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص: 108 (2) - أبو العباس الدرجيني: المصدر السابق، ج 1، ص: 170

(1) - محمد حمزة إسماعيل الحداد: المرجع السابق، ص: 141. (2) - خير الدين وائلي: المرجع السابق، ص: 385

Scanned by CamScanner