العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف
الجزء ١ · صفحة ٧9
8
سهل وادي مزاب حيث تعرّفنا عن قرب على تلك المنشآت الدينية، كما سمحت لنا ظروف العمل من إنجاز بعض مخطّطات هذه العمائر بالتعاون طبعا مع مهندسي الورشة.
إن الخوض في أعماق هذا الموضوع لا يخلو من العقبات والصعوبات فقلة المراجع المتخصصة إن لم نقل انعدامها كانت أوّل العقبات، واستدعى بنا الأمر الاعتماد كليا على البحث الميداني، وقد واجهتنا بين الحين والآخر صعوبات جمة أثناء إنجاز البحث الميداني، ولا سيما ما تعلّق منه في الحصول على إذن من الجهات العرفية الوصية على هذه المعالم الأثرية سواء لإجراء الرفوعات المعمارية أو لأخذ الصور، كما باءت محاولاتنا بالفشل في سبيل الحصول على معلومات أو وثائق ذات صلة بهذه المنشآت والتي تزيل بلا شك الكثير من الغموض في حال وصولها إلى أيدي الباحثين وعلى الرغم من كل هذه الصعوبات، وعلى الرغم الانعدام الكلي للوثائق التاريخية، وعدم وجود أي نص تاريخي في كل المساجد والمصليات الجنائزية بمزاب، فإنّ عزيمتنا كانت أقوى في سبيل إتمام هذا البحث.
لقد شيدت في كل مدينة من مدن مزاب السبع منشآت دينية متنوعة؛ ومنها المسجد الذي اختير له موقعا استراتيجيا في أعلى قمة الهضبة، بحيث يشرف بمئذنته الهرمية الشكل على كلّ المباني الأخرى المتدرّجة من حوله فوق الهضبة. فإلى أي الطرز المعروفة في عمارة المساجد تعود تصاميم مساجد مزاب؟ وما هي الخصائص التي تميزها عن غيرها؟
إن الشكل الهرمي الناقص الذي أعطاه المعماري المزابي للمآذن مزاب شكل هاجسا لدى مؤرّخي الفن، ولطالما بحثوا عن جذوره ومنشئه، لكن إجابتهم لم تكن مقنعة من الناحية العلمية ليبقي التساؤل مطروحا في الساحة العلمية إلى حد الساعة.
ومن العمائر الدينية الأخرى المهمة في حياة المزابيين نجد المصليات الجنائزية أو ما يُعرف أيضا بمصليات المقابر التي تقف شامخة وسط المقابر الإباضية بوادي مزاب. فمما لا شك فيه أن هذه المنشأة كانت وما زالت تؤدّي أدورا هامة وسط المجتمع المزابي، فما وظيفتها؟ وفي ظل اختلاف، عمارتها، فهل يمكن إبراز أنماطها المعمارية؟
إن ظاهرة خلو المباني المزابية من كل أشكال الزخرفة فتحت أبواب النقاش والجدل على مصراعيه، ولا سيما أنّ المزابيين يعدون في نظر المؤرّخين ورثة السدراتيين الذين بلغوا في فنّهم درجة عالية من الإتقان فما هي العوامل التي جعلت الفن المزابي يتميز، وذلك على
الرغم من بساطته وابتعاده عن ذلك الفن الراقي الذي عرفه الإباضيون في سدراتة؟ وفي محاولة الإلمام بالموضوع من كل جوانبه وحيثياته رأينا من المناسب جدا تقسيم البحث تقسيما يعتمد على الفصول. في البداية أردنا أن نقوم بتفكيك عناصر العنوان، فاجتهدنا في إعطاء مفهوم مناسب المصطلح العمارة ثم عرجنا إلى العمارة الإسلامية، ولا سيما في شقها الديني باعتبارها أساس الموضوع، وأخيرا حاولنا تقديم فكرة وجيزة للقارئ الكريم عن النسيج العمراني الذي تتّسم به المدن في منطقة وادي مزاب. إننا لا نكتم حقيقة حاضرة أنّ طبيعة المنطقة فرضت نفسها علينا بشكل كبير، فكان من الصعوبة بمكان المرور على تاريخها وحضارتها مرورا عابرا دون تلمس لنكهتها، لذلك أولينا اهتماما منفردا لهذا الجانب إلى درجة أنّنا خصصنا لها فصلا كاملا حيث أردنا من خلاله لمنطقة وادي مزاب من الناحية التاريخية واستوقفتنا شهية البحث عند بعض إجراء مسح القضايا والمحطّات التاريخية الهامة التي أثارت فضولنا، سيما ما تعلّق منها بتأسيس مدن مزاب السبع. ونظرا للدور الفعّال الذي تؤديه التنظيمات الاجتماعية العرفية داخل المجتمع المزابي وعلاقتها المباشرة بالمنشآت الدينية، رأينا من اللائق جدا تقديم فكرة وجيزة للقارئ الكريم عن هذه التنظيمات الاجتماعية مركزين بالخصوص على نظام حلقة العزابة ومهامها داخل المجتمع وعلاقتها بالمنشآت الدينية في المدينة المزابية.
وفي محاولة الخروج من هذه الدراسة بنتائج علمية وموضوعية رأينا من اللائق اتباع أسلوب التحليل والمقارنة بين عمائر وادي مزاب نفسها وبينها وبين المنشآت الدينية الإسلامية الأخرى خارج المنطقة، وذلك أثناء تناولنا للعمائر الدينية؛ المساجد والمصليات الجنائزية التي قمنا بدارستها من ناحية التصميم وتوقفنا عند منشأ وتطوّر كل نوع.
ولإبراز الخصائص المعمارية لمنطقة مزاب أفردنا دراسة خاصة للعناصر المعمارية المستعملة في المنشآت الدينية المزابية، وتعرّضنا عند تناولنا لكلّ عنصر معماري إلى أهميته ودوره داخل المبنى. ثم تطرقنا إلى مجال الزخرفة في العمائر الدينية الإباضية، وأخيرا تعرضنا إلى مواد البناء المستعملة في هذه المنشآت.
Scanned by CamScanner