العمارة الإسلامية في بني مزاب بالحاج بن بنوح معروف

العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف

الجزء ١ · صفحة ٧٩

153

152

عندما نلقي نظرة خاطفة على الجدول المبين أعلاه يتضح لنا أن مئذنة مسجد بنورة والمئذنة الصغيرة بالمسجد العتيق بغرداية كانت النماذج الأولى في طراز المآذن ذات الشكل الناقص في مزاب، باعتبار صغر حجمهما، وقلة ارتفاعهما، ونقص عدد طوابقهما الهرمي التي لا تتعدى عددها ثلاثة ويبدو أنّ البنّاء استفاد من التجارب السابقة، وعلى الرغم من نقص الإمكانات الإنشائية المتوفرة لديه، نجح في زيادة علوّ المئذنة، وإضافة طوابق أخرى، حيث وصل عددها في مسجد غرداية إلى عشر طوابق، وكانت هذه الزيادة في الارتفاع الضرورة ملحة أملاها توقع وتطوّر النسيج العمراني للمدن المزابية.

لقد اقتضت الضرورة إلى الزيادة في ارتفاع المئذنة، وذلك عندما شهدت المدن المزابية توسعات عمرانية خلال القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي، بسبب تزايد عدد السكان وتوافد المهاجرين نحو المنطقة، وكان الهدف من ذلك إيصال صوت المؤذن إلى كل أطراف المدينة. فبلغت المئذنة أقصى ارتفاع لها 24،50 م في المئذنة الكبيرة بمسجد غرداية العتيق. تتألف المئذنة المزابية من الداخل من نواة مركزية غير منتظمة الشكل في معظم النماذج (الجدول الوارد في الأعلى)، ويتم الصعود إلى الطوابق العليا عن طريق سلم صاعد يلتف حول تلك النواة المركزية في شكل حلزوني.

لجأ

يأتي الجوسق في المئذنة المزابية كامتداد للبدن، ويكون مغطى بقبة صغيرة، تنتهي عند مفتاحها بقبيبة صغيرة أخرى على شكل إناء فخاري مقعر، ويبدو أنّ البنّاء المزابي! إلى هذه المادة باعتبارها مادة فعالة في تردّد الأصوات. ويخرج صوت المؤذن نحو الخارج عن طريق فتحات معقودة بعقد نصف دائري فُتحت في الجدران الأربعة للجوسق. تتوج الأركان الأربعة الخارجية لمآذن مزاب أعمدة صغيرة منتفخة الصور 69 70 71 72 79 80 كلّما زادت في العلو، وهكذا تأخذ هذه الأعمدة بدورها شكل الهرم الناقص، وهي بمثابة الشرافات هنا وتضمّ مئذنة غرداية إضافة إلى الأعمدة الأربعة الصغيرة في الأركان نتوءا بارزا بين كلّ عمودين. وبالنسبة لهذا النوع من الزخرفة

في

الأسفل وتضيق

يشير مارسيل مرسييه Marcel Mercier إلى أنّها تعود في أصولها إلى عبادة وثنية قديمة (!)، حتى إذا سلّمنا بهذا الاستنتاج، لكن المزابي في اعتقادنا لم يستعمل هذا العنصر المعماري لنفس الغرض، بل في أغلب الظن كان يقصد به تعيين الجهات الأصلية الأربعة أو استعملها لمجرد زخرفة يتوج بها مبانيه

لم تأخذ المآذن موقعا موحدا في مساجد، مزاب، شأنها في ذلك شأن المساجد الإسلامية، فأحيانا تحتل مكانا في الجهة المقابلة للجدار المحراب، أي أنّها تقع على محور المحراب مثل مآذن غرداية وبني يزقن وبريان أو تأخذ موقعا في الركن الشمالي مثل مئذنة القرارة، ونجدها أحيانا أخرى في الجهة الشمالية الغربية كمئذنة مسجد بنورة العتيق.

هناك ظاهرة معمارية لابدّ من الإشارة إليها وهي انفصال القاعدة من البدن في مئذنة بني يزقن، إذ أن السلّم الصاعد إلى الطوابق العليا من المفروض أن تكون نقطة انطلاقه من القاعدة، لكن هنا يبتدئ السلّم من الطابق الأول لتبقى القاعدة معزولة عن البدن، ولا يربطها به إلا النواة

المركزية والجدران.

3 - المنبر:

كان المنبر أوّل عنصر معماري يضاف إلى المسجد أو الجامع، ففي البداية كان الرسول يستند إلى جذع نخلة كلما يريد أن يلقي خطبة على جمهور المصلين، فأوعز إليه تميم بن الداري بصنع منبر كما في كنائس الشام، وتبنّى الرسول صلى الله عليه وسلم الفكرة، فأمر أن يُصنع له منبر خشبي ذو ثلاث درجات، وتقليدا لأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم، صنع المسلمون من بعده منابر لمساجدهم، إلا أنهم أضافوا إليه عددا من الدرجات، كما خصصوا له تجويفا على يمين المحراب ليُدخل إليه في كل الأيام ما عدى يوم الجمعة (2). ولقد استعان الفنان المسلم بمواد متنوعة لبناء المنبر وزخرفته، فظهرت المنابر الخشبية والحجرية والرخامية، وأبدع الفنان في تنميقها وتزيينها بزخارف متنوعة فائقة الجمال. يتخذ المنبر دليلا معماريا على إعطاء صبغة المسجد الجامع للمبنى الذي يضمه. وبما أنّ هذا العنصر المعماري ينعدم تماما في المساجد الإباضية في مزاب، فلا يمكن إذا إعطاؤها صبغة

(1) - Marcel Mercier: La Civilisation … ، p: 152 - 153.

(2) - عفيف بهنسي: الفن الإسلامي ..... ص: 14.

Scanned by CamScanner