العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف
الجزء ١ · صفحة ٨٩173
172
يبدو أن هذا العنصر الزخرفي قديم وتعود جذوره حسب مارسيل مرسييه Marcel Mercier إلى عبادة الأحجار الوثنية الأكثر رواجا عند الفنيقيين الذين أدخلوا هذه العبادة إلى شمال إفريقيا في فترة تواجدهم فيها ابتداء من القرن الثامن إلى القرن الثاني ق. م) ومنذ تلك المرحلة التاريخية أصبحت هذه الأحجار المقدسة حسب رأيه تنتصب في كل الأماكن المقدسة (1).
حتّى إذا سلمنا بفرضية استلهام هذا العنصر المعماري من أصول وثنية قديمة كما سبق ذكره آنفا، فلا شكّ أنّ استعمال المزابين له كان لغرض زخرفي بحت، إذ كانوا يتوجون به كلّ مبانيهم بما في ذلك المباني العسكرية مثل الأبراج وحتى المدنية منها، وربما كان استعمالهم لهذا العنصر في العمائر الدينية، ولا سيما في المآذن وفي أركان بعض المصليات الجنائزية، لا يغدو أن يكون سوى لهدف تعيين الجهات الأصلية الأربعة.
وعلى الرغم من الفرضيات التي استقيناها، إلا أنّ هذا العنصر المعماري يبقى يحتاج أكثر إلى البحث والدراسة، ونفترض أن هناك دلالات أخرى اجتماعية ونفسية لم نتمكن من الوقوف
عندها.
ينتشر هذا العنصر المعماري (الشرافات) في جربة بتونس وعلى الخصوص في بلاد السودان الغربي، حيث تنتصب هذه الشرافات في أعلى أركان المساكن والمآذن والمساجد في
تومبوكتو مثلا (2).
إن شرافات وادي مزاب تختلف تماما عن الشرافات التي تعودنا رؤيتها في العمائر الإسلامية في مختلف العصور وفي شتّى الأقاليم في المشرق وفي المغرب الإسلاميين، سواء المباني الدينية منها أو المدنية أو العسكرية، إذ تبدو هنا على شكل أعمدة صغيرة أو نتوءات منتفخة في الأسفل وتضيق كلّما ارتفعت نحو الأعلى الصور 69 70 71 72، 79، 80، بحيث تنتصب في شكل قالب سكر فوق الأركان الأربعة للمعلم ويتراوح ارتفاعها ما بين 0،55 م و 1،10 م.
-4 - القيم الجمالية في العمارة المزابية: تمتاز العمائر الدينية المزابية بالبساطة والتقشف في البناء مما يجعلنا نتساءل عن موقعها بالنسبة لمعيار الجمال. فعلى أي المعايير يمكن الاستناد عليها لتذوق جمالية العمارة المزابية؟ خصوصا أمام معارفنا المُسبقة عن العمارة السلطانية أو الأميرية التي تبتعد كلّ البعد عن العمارة الشعبية المحلية بسبب تفوق الأولويات والإمكانات الإنشائية.
هي
وفي هذا المجال يجب علينا الخوض في موضوع الحكم الجمالي بحد ذاته فعلى أيّ مقياس نقيم العمل الفني ونصدر عليه حكما، وفي هذا الموضوع يرى إبراهيم زكرياء أنّ الحكم الجمالي يعبر عن وجهة نظر الإنسان، ولكن من المؤكد أن نسبة الحكم ليست التي تكون ثبات الموضوع أو تسنده، وإنّما الذي يحدد قيمة الحكم ويدعمها هو القانون الذاتي الباطني للموضوع، فليست الذات كل شيء في الحكم الجمالي، وإنما التوازن الذي في الموضوع نفسه في صميم بنائه الجمالي، وهذا هو الفيصل الحقيقي الذي يبقى الحكم الجمالي مشروطا به دائما، وتبعا لذلك فإنّ كلّ عمل فنّي إنّما يحمل في ذاته نسقا خاصا من الضروريات التي تشع من خلالها كيفية الجمالية (1).
هي
ولتقويم جمالية العمارة المزابية في جميع أنواع المباني لا سيما الدينية منها، لا بد من أن ننطلق من المفهوم الذي قدمه حسن فتحي عن الإستيطيقا عندما قال: “أن الإنسان المزابي الذي عمل بكلتا يديه وكافح ضدّ العوارض الطبيعية بثقافته وبمواد البناء المتوفّرة في بيئته، بقي في صراع دائم معها، وحينما تمكّن من حلّ المشكلة خلق الجمال" (2) ، ويُفهم من هذا القول أن إنتاج الفن يتمّ بتفاعل البيئة الطبيعية مع الإرث الحضاري والثقافي للفنان. فمقاييس الجمال تتغير من مجتمع إلى آخر ومن عصر إلى آخر، ولكل مجتمع مفاهيمه ورؤيته في تقويم الجمال الذي يعد نتاج تعامل ذلك الفرد أو المجتمع مع محيط بيئته عبر العصور. فموسيقى الشعوب البدائية مثلا لا يتقبلها ذوق الإنسان الحالي، فسمات الجمال إذاً. كل. عصر. فمقاييس الجمال تختلف مثلا عند الإغريق عمّا هي عند الرومان وعند الحضارات الأخرى، وحتى في العصر الحديث فإنّ مقاييس الجمال عند القبائل الإفريقية تختلف عن
هي
سمات
(2) - André Ravéreau: Op.cit، p:12.
(1) - إبراهيم زكرياء: مشكلة الفن، ص: 230
(1) - Marcel Mercier: Civilisation … ، p: 152 - 153. (2) - Ibid، p: 152
Scanned by CamScanner