العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف
الجزء ١ · صفحة ٩٨187
186
اتبعت المساجد الإباضية في بساطة بنائها المساجد الإسلامية الأولى (المسجد النبوي الشريف ومسجد البصرة ومسجد الكوفة ولم تخرج عن تلك التقاليد المعمارية طيلة قرون من الزمن. لقد اتسعت بيوت الصلاة عرضيا على غرار الجامع الأموي بدمشق، وخلافا للتقاليد المعمارية الإسلامية اتبعت البوائك في مساجد مزاب في مسارها نحو جدار القبلة اتجاها مزدوجا عموديا وموازيا، فقد جرت العادة أن تأخذ البوائك في اتجاهها نحو جدار القبلة مسارا واحدا إما عموديا أو موازيا، وقلّما تسير في الاتجاهين معا. وقد أخذت المساجد المزابية على العموم شكلا غير منتظم في تخطيطها، ولا شكّ أنّ كثرة الإضافات والتوسعات المتتالية في جهات مختلفة من المسجد كانت العامل الرئيسي في عدم الحصول على شكل نهائي منتظم.
إن هذا التصميم البسيط لم ينحصر في منطقة وادي مزاب فقط، بل تجاوزه إلى المراكز الإباضية الأخرى جبل نفوسة بليبيا وجربة بتونس، وإلى الأقاليم الصحراوية إلى درجة أنه بإمكاننا إطلاق مصطلح مساجد الشريط الصحراوي على هذه المساجد.
الجهات،
طبق نفس التصميم الإسلامي في بناء الصحن والأروقة المحيطة به من جميع باستثناء جهة القبلة، وقد خرج عن هذا التقليد مسجدا بني يزقن والقرارة اللذان تطوّق الأروقة صحنهما من جميع الجهات. ولكن موقع الصحن بالنسبة لبيت الصلاة جاء في بعض الأحيان مغايرا عما ألفناه في عمارة المساجد التي جعلت الصحن يأخذ مكانه متقدما بيت الصلاة على محور المحراب، وعلى هذا جاء صحن مسجد بني يزقن مجانبا بيت الصلاة.
في
لقد جلب انتباهنا تجاور محرابين جنبا إلى جنب وكانت كلّ الدلائل والقرائن تستبعد فكرة التوسع أو فكرة محراب الذكرى التي يستند عليها بعض الباحثين والمهتمين من الأهالي لتبرير الظاهرة، ولكن اعتمادا على قرائن تاريخية وحسب قراءاتنا يبدو لنا أنّ أسباب الظاهرة تعود أساسها إلى عامل اختلاف الرؤى الذي أدى إلى التفرقة التي عنى منها بنو مزاب كثيرا لفترة زمنية طويلة والتي كانت وراء بروز هذه الظاهرة التي اختفت مع أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلاديين، ولكن لا عجب في ذلك ما دامت ظاهرة تعدّد المحاريب بسبب اختلاف الرؤى (المذهبية) تبرز حتى في المساجد العظيمة مثل الجامع الأموي بدمشق. ويبقى الإشكال مطروحا أمام الباحثين للبحث والتعمق أكثر في هذه المسألة بقراءات
ووجهات نظر ربما تكون مختلفة.
ومن بين مميزات المساجد الإباضية أيضا خلوها من عنصر المنبر الذي يعد دليلا لإقامة صلاة الجمعة، ولقد فسرنا هذه المسألة بعد الرجوع إلى الفكر الإباضي نفسه، حيث اكتشفنا أن رؤية الفقه الإباضي حول قضية صلاة الجمعة كانت السبب المباشر لغياب المنبر في الإباضية سواء داخل الجزائر أو خارجها مثل جبل نفوسة في ليبيا أو في جربة بتونس.
نحو
المساجد
تعلو في المساجد المزابية مآذن ذات طراز هرمي الشكل فجدرانها تميل في شكل انسيابي الداخل وتضيق كلّما زادت في الارتفاع، وتعلو انطلاقا من القاعدة إلى قمة الجوسق على شكل هيكل واحد. وبحثا وراء أصل ومنشأ هذا النمط المعماري، وصلنا إلى نتيجة مفادها أن مئذنة مسجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في دومة الجندل كانت المصدر والمنبع الذي ارتوت منه كل المناطق الأخرى اليمن وليبيا وتونس التي انتشر فيها هذا النمط بقوة، ولم يكن توغله في إفريقيا الغربية أو ما يعرف ببلاد السودان العربي قديما، إلا بفضل القوافل التجارية الإباضية التي تنطلق من وادي مزاب في اتجاه المنطقة.
لقد رأينا في ثنايا هذا البحث كيف كانت المصليات الجنائزية في أصلها مدارس حيث مارس بعض الشيوخ مهامهم في التدريس بعيدا عن مشاغل الدنيا، وذلك تقليدا لأسلافهم من الإباضية، فاختاروا من أجل ذلك مواقع بعيدة عن التجمعات السكانية لبناء مدارسهم، وتتطوّر هذه المنشأة بعد وفاة الشيخ المدرّس ودفنه على مقربة من مدرسته، لتتحول هذه الأخيرة إلى مصلّى جنائزي بعد ضمّ قبور أخرى إلى جوار قبر الشيخ العالم، وهكذا تصبح مقبرة لعشيرته. أو عرشه، فتتغير بذلك وظيفتها، فمن منشأة تعليمية تربوية إلى منشأة جنائزية تتم فيها وظائف ذات علاقة كبيرة بالميت. ولقد تمكنا من تمييز نوعين أو نمطين مختلفين من المصليات الجنائزية ضمن طراز المصليات المغطاة وذلك اعتمادا على أسلوب وتقنية التسقيف، فميزنا بين تلك المغطاة بالقباب والأخرى المغطّاة بالأقبية، كما لاحظنا وجود المصليات المكشوفة التي يحيط
بها سياج جداري فقط، وتؤكّد وظيفتها تلك العنزة المفتوحة في جدار القبلة.
يبدو أنّ خلو العمائر الدينية من كلّ أنواع الزخرفة نباتية وهندسية وكتابية) يعود أساسا إلى عامل عقائدي، فالأحاديث النبوية الشريفة التي تحرّم زخرفة المباني الدينية وتدعو إلى البساطة والتقشف في البناء قد لقت آذانا صاغية وواعية لدى جمهور فقهاء الإباضية، ومن تم تجسدت بكل ثقلها في العمائر الدينية بمزاب، وحول هذه المسألة طرحنا عدة فرضيات لتساؤلات
Scanned by CamScanner