العمارة الترابية: دليل مختصر للعمارة الترابية بوادي ميزاب يونس بابانجار

العمارة_الترابية_-_عربي

الجزء ١ · صفحة ٥

مقدمة

:

كانت مادة الطين أكثر المواد انتشاراً وقرباً من الإنسان البدائي، هذه المادة التي أثارت انتباهه، ودفعته إلى استخدامها واتخاذها مادة أولية لمسكنه، ومما لاشك فيه أن الأرض (التراب) هي الوسط الطبيعي والمادة التي احتضنت الإنسان الأول، وقدمت الأرض «التراب» للبشر كل ما يلزم من غذاء ومأوى، واستمد منها الإنسان القوة والثقة فكانت في الوقت نفسه موضع ارتياح كبير للإنسان الأول فلجأ إلى تجاويفها في الأوقات العصيبة، والتصق بها وتفاعل معها عبر التاريخ، ومن هذا الوجود والالتصاق والتفاعل انبثقت فكرة استعمال مادة التربة الطينية كمادة للبناء، هذه المادة القريبة من الإنسان الأول المادة التي تتشكل بسهولة لتغلف كل احتياجاته الحياتية، وأولها الحاجة إلى المأوى - المسكن. فمد الإنسان يده إلى التراب وصنع منه الطين، وقد شكلت هذه الخطوة إنجازاً مهماً في تاريخ البشرية من حيث التعامل والتشكيل والتصنيع والخلق بهذه المادة لدى الإنسان في المجتمعات البشرية الأولى وبذلك كانت عملياً تجربة الإنسان الأولى نحو الخلق والإبداع والتصنيع لاحقاً. أنه ثمة بعد روحي يربط الإنسان بمادة الطين، هذه المادة التي تعتبر المكون الرئيسي لخلقه، مما ساهم أكثر في تبني هذه المادة كمكون رئيس لعمارته. وحيث أن مادة الطين تحقق قدراً كبيراً من التلاؤم والانسجام بين الإنسان ومحيطه الحيوي، وقد ساعد هذا التوافق والانسجام أكثر في استمرار العمارة الطينية عبر مختلف العصور.

ويبدو

مدخل تاريخي:

تشير المصادر التاريخية بأن مادة الطين كانت المادة الأولى التي تم استخدامها في مجال البناء إلى جانب مواد مساعدة أخرى كالحجر والخشب القصب وجريد النخل.

ومن خلال دراسة تاريخ العمران البشري عبر مختلف العصور يمكن التأكيد على أن العمارة الطينية كانت العمارة الأكثر انتشاراً عبر التاريخ وفي مختلف القارات، وهي بذلك العمارة التي تسود في العالم. وإن ظهرت وتبلورت ملامحها الأولى في حضارات المشرق، حسب كافة المعطيات العلمية من حفريات أثرية، روايات ومشاهدات تاريخية، إضافة إلى علوم الأنتروبولوجيا، إلا أنها عمّت كافة أنحاء العالم القديم، ومازالت تشكل العمارة البيئية الأكثر انتشاراً والأقل كلفة، والأسهل تشييداً في العالم، بذلك باتت التراث العمراني الإنساني الأوسع.

لقد شاع استخدام الطين مادةً للبناء في معظم بلاد العالم خصوصاً في المستوطنات العمرانية، التي تقع بالقرب من بطون الأودية ومجاري الأنهار وفي سفوح الجبال ووسط الواحات وغيرها من المناطق التي تتوفر فيها التربة المناسبة، فمنذ أن استقر الجنس البشري في المستوطنات القروية قبل ما يقرب من (10.000) سنة، كان الطين من أبرز المواد التي استخدمها الإنسان في بناء المأوى، الذي يحميه من المؤثرات البيئية المختلفة، ومن الحيوانات المفترسة، وهجمات الأعداء وغيرها.

05

55