العمارة الترابية: دليل مختصر للعمارة الترابية بوادي ميزاب يونس بابانجار

العمارة_الترابية_-_عربي

الجزء ١ · صفحة ٦

لقد كانت مادة الطين في العصور القديمة تستعمل على نطاق واسع، في حضارات ما بين النهرين، وفي مصر، وفي وقت لاحق استعملها الرومان وشعوب الشرق الأوسط، والهند، وأباطرة الصين. وخلال العصور الوسطى كان البناء بالطين لا يمارس في أوروبا فحسب، بل كان يمارس أيضا في أمريكا الشمالية، من قبل الهنود، وفي المكسيك، وفي منطقة جبال (الإنديز). وكان هذا الفن المعماري يمارس في حضارات متنوعة بأفريقيا. وفي الوقت الحاضر لا يزال يعيش أكثر من ثلث سكان العالم في مساكن طينية، وعلى أية حال فان البقايا الأثرية للعديد من المدن والقرى، في المناطق المختلفة من العالم، هي خير شاهد على ما كانت تحظى به هذه المادة من أهمية، في بناء تلك المستوطنات التي بني معظمها بالطين الخام غير المحروق. إن التطور الكبير الذي شهده العالم، خلال النصف الأخير من القرن العشرين، في إنتاج مواد البناء الحديثة، وطرق المواصلات والاتصالات، بشكل لم يسبق له نظير من قبل، كان له أثره الكبير في الحد من استخدام مواد وطرق الإنشاء التقليدية في كثير من البلدان. إلا أن البناء بالطين الخام ما زال يحتفظ بشعبيته في العديد من المدن والمناطق الحضرية خصوصاً في بلدان العالم النامي في القارة الإفريقية، وذلك لما تتمتع به هذه المادة من المميزات العديدة، التي من أبرزها: وفرتها في غالب مواقع التنفيذ، ورخص سعرها. أما في المناطق الريفية فما زالت عمارة الطين شائعة في كثير من البلدان؛ في أسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وبصورة أقل في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا. وبالرغم من تعدد استخدامات الطين - ومادته الأصلية وهي التراب - قديماً في بناء العديد من المنشآت العمرانية، كالأسوار والأهرام وأبراج المراقبة ودور العبادة؛ من مساجد وغيرها واستخدامها حديثاً في بناء السدود، ومهابط الطائرات، وطرق الإمداد، ومهاجع الجند، كما فعل الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية، إلا أن الاستخدام الغالب لهذه المادة يبقى في أغراض البناء والتشييد - قديماً وحديثاً - هو في بناء المساكن، حيث أظهرت مادة الطين وما تتمتع به من خصائص شخصية المجتمعات المختلفة في النواحي الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية كافة وغيرها، من خلال عمارة بسيطة ومتميزة، استجابت للتفاوت الكبير في المناخ والظروف البيئية المختلفة، من بلاد الصين شرقاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية غرباً، ومن البلدان الاسكندافية شمالاً إلى أمريكا اللاتينية جنوباً.

FIFIL

06