الفكر السياسي عند الإباضية والزيدية لسالم الخروصي
الجزء ١ · صفحة ١٣الفكر السياسي عند الإباضية والزيدية
ولا يفوتني وأنا أتحدث عن هذا الجانب التاريخي أن أنبه إلى حقيقة مهمة وهي أن شريعة الله تَعَالَى إلى الإنسانية لا تعني جمود الفكر السياسي عند إطار معين بل هي مرنة يستطيع عقلاء البشر أن يستلهموا ويستنبطوا منها ما يصلح لمجتمعهم وظروف حياتهم إذ رفع التكليف من مقررات التيسير في الدين لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلا وُسْعَهَا) (1)، وهذه الميزة في شريعة النبي محمد
تنجلي واضحة بينة.
إن المهم في هذه النبذة التاريخية القصيرة عن التشريع الإلهي ومميزاته أن نؤكد أن التشريع الإلهي هو واسطة الميزان بين كفتي المجتمع والسياسة إذ لا ينتظم مجتمع بدون سياسة ولا تصلح سياسة بدون تشريع يحكمها ولا يختلف على ذلك أحد من العقلاء في إطار المحافظة على المال والنفس والعرض والدين والعقل.
إن المتمعن في كتاب الله تَعَالَى يجد الرباط العجيب بين المجتمع والدين والسياسة في تعامل القرآن الكريم مع الموافقين والمخالفين في الأحكام والتشريعات بل أن الله تَعَالَى علمنا في القرآن وكشف لنا عن العلاقة السببية من جهة والتفاعلية - التكاملية - من جهة أخرى بين عقيدة التوحيد وبين خلافة الإنسان في الأرض.
إن هذه الموائمة بين المجتمع والسياسية والدين تعطي التصور الجوهري الذي يمكن الخلوص إليه من هذه المقدمة فالسياسة نتاج طبيعي عن تداخل المجتمع وتمازج أفراده في إطار المصلحة المشتركة والمنافع المتبادلة والدين هو الموجه لهذه السياسة يصيغ لها القانون وينظم السلوك ويرشد إلى الجوانب الخفية على العقل البشري التي لم ولن يصل إليها العقل مستقلا في تفكيره كما
(1) سورة البقرة الآية 286.