القبس في علم التجويد لعبد الله القنوبي
الجزء ١ · صفحة ٢٨القبس في علم التجويد
وهذا الأدب الصالح لمقابلته مصدره الأول القرآن العزيز، وهو
غير متناول منه إلا بفهمه والترتيل لا شك أكبر وسيلة للفهم. v ثم إن الترتيل لذاته قشر لبابه الحضور، وإنما شرع لتكمل به حقيقة الحضور، إذ الحضور مع المعاني مع هذرمة الألفاظ وتهريمها لا
يتصور، فضلا عن أن يكون كاملا، فتأمل هذا المقام فإنه عظيم. وسئلت عائشة رضي الله عنه عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: " لا كسر دكم هذا، لو أراد السامع أن يعد حروفه
لعدها ".
وقال رجل لابن عباس: إني رجل خفيف القراءة أهذرم القراءة، فقال: " لأن أقرأ سورة البقرة وأترسل فيها وأتدبرها أحب إلي من أن أقرأ القرآن أجمع هذرمة، ولأن أقرأ إذا زلزلت والقارعة بتدبر
أحب إلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرا.
وقال القطب " وفائدة الترتيل في الصلاة وغيرها استشعار العظمة عند ذكر الله وحصول الرجاء والخوف عند الوعد والوعيد، والاعتبار عند القصص والأمثال، فيستنير القلب عند ذلك بنور المعرفة، فالمقصود حضور القلب، ولا يتحصل إلا بالترتيل، وفي ترتيله احترام له ".
وقد بات جماعة من السلف يتلو الواحد منهم آية واحدة ليلة كاملة أو معظم ليله يتدبرها، وصعق جماعة منهم عند القراءة، ومات جماعة، وهذا مقام الخواص الذين استولى عليهم الخوف والرجاء والإخلاص، وفهموا عن الله فهما طاشت به نفوسهم، وزهقت به أرواحهم، فأين حالنا من حال هؤلاء؟! وإنا لله وإنا إليه راجعون. قال إبراهيم الخواص: " دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين". فلا تغترر بكثرة المتهالكين في ترك هذه الآداب، قال الفضيل بن عياض: " لا تستوحش طرق الهدى لقلة، أهلها، ولا تغتر بكثرة الهالكين ".
(انتهى كلام العلامة أبي مسلم بشيء من الاختصار).