القيم السوسيوثقافية للمرأة المزابية لعائشة نجار
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤مناقشتنا
للمعطيات الإحصائية الواردة في الجداول والارتباطات السوسيولوجية، أن النظرية التي صاغها لوفبفر حول تشكيل الفضاء للقيم، استطاعت أن تلقي بكامل ثقلها النظري والمفاهيمي في تحليلنا لما صغناه من افتراضات، وأثبت كيف أن التمسك بالقيم التقليدية التي تعرف بها المرأة المزابية دائما يتعلق بمدى ارتباطها واندماجها في الفضاء التقليدي هذا الارتباط الذي لا يمكن أن يفسره إلا ذلك الانسجام والتناغم الذي نجده بين البنى القيمية والبنى الفضائية والتي ليست إلا تلك التجسدات التي تعكسها الممارسات المنتجة فيه، حيث لا يشارك الفضاء الاجتماعي في تصميم البنية القيمية الاجتماعية للجماعات الإنسانية وحسب وإنما يعمل أيضا على إعادة إنتاجها، فكما يرى لوفبفر أنه لا يمكن النظر إلى الفضاء كمجرد ساحة مكانية حيث تمارس فيها الحياة اليومية وحسب، وإنما كوسيط يتم من خلاله إنتاج علاقات اجتماعية وإعادة إنتاجها باستمرار. ف "جينالوجيا الفضاءات المغلقة في المجتمع المزابي التي عرضنا لها خلال الفصل النظري الأخير التي انبثق منها القرار العرفي في منع المرأة المزابية من السفر خارج قصور مزاب، تقوم وفق هذا المنطق بالذات على مبدأ إعادة انتاج القيم باستمرار والمحافظة عليها، وبالتالي فإن المرأة المزابية مادامت تحافظ على اندماج قوي في هذه الفضاءات التقليدية فإنّ القيم في عملية إعادة إنتاج مستمرة، هذا ما لاحظناه خلال الجداول السابقة وانطلاقا من أجوبة المبحوثات، التي لا تخفي ذلك الانسجام و التناسق بين البنيتين الفضائية والقيمية. كل شيء يجري وكأن الأجوبة تنشأ من تطبيق نظرية يعتمدها المستجوبون، ترتكز على نظام من المقاييس المتراتية كما يقول ريمون بودون في دراسته لعقلانية القيم وتبدّلها، إذ تؤشّر إلى أن المرأة الأكثر اندماجا في هذه الفضاءات التقليدية هي الأكثر تمسكا بالقيم السوسيوثقافية التي تعرف بها المرأة المزابية. وعلى ضوء هذه النتائج، يمكن القول أنّ هذه الفرضية الموضوعة كإجابة مؤقتة عند إنطلاق الدراسة، تحققت ميدانيا، وهذا ما يؤكد صحتها.
ريمون بودون، أبحاث في النظرية العقلانية للعمل الاجتماعي والحس المشترك، تر، جورج سليمان، ط 1،مركز الدارسات
الوحدة العربية، بيروت، لبنان، 2010 م، ص 310.
205
Scanned by CamScanner