القراءات الأربعة فوق العشرة
الجزء ١ · صفحة ٣٠القراءات الأربعة فوق العشرة واثرها في الفقه الإسلامي
الفصل الثاني: القراءات الشاذة، تعريفها، أهم أعلامها
المبحث الأول: تعريف القراءات وتاريخ ظهورها وفيه مطلبان:
لقد اهتم الرسول وأصحابه من بعده بالقرآن قراءة وإقراء وتعليما وتعلما، وما ذاك إلا امتثالا لأمر الله تعالى الذي أمر نبيه بذلك، فلم يأل جهدا في تعليم أصحابه ونشره لكافة القبائل العربية التي دخلت في دين الله على اختلاف لهجاتها وتباعد ديارها، فكان يرسل إليهم من يعلمهم القرآن من صحابته، فيقضون عندهم السنوات الطوال وليس لهم غرض إلا ذلك، حتى انتشر القرآن في أصقاع الأرض، وصارت كل قبيلة تقرؤه كما عُلمت بالأحرف السبعة تيسيرا ورفعا للحرج عنها، إذ لا يستطيع اليمني الذي تعود على لهجة قومه أن يقرأ بلهجة القرشي، والأزدي لا يستطيع أن يقرأ بلهجة بني تميم وهكذا، لأن كل قبيلة من القبيلة ألفت كيفية معينة في النطق ولهجة مختلفة عن الأخرى، ولكن هذا التوسع في القراءة أدى إلى فجوة وخلاف تحول فيما بعد إلى مشكلة كبرى في عهد الصحابة، حتى خطأ المسلم أخاه المسلم على قراءته، مما أدى إلى جمع الناس على مصحف واحد، تداركا للخطر المحدق بالأمة من جراء هذا الاختلاف، وردما لهوة الفتنة والشقاق، وحفظا للقرآن من الضياع، فخرجت أحرف كثيرة عرفت فيما بعد بالقراءات الشاذة، التي استمرت تتلى ثلاثة قرون متوالية، ثم تركت التلاوة بها في الصلاة جبرا وقسرا ولكن بقي لها دور استفاد منه المسلمون، لأنها تزخر بكثير من المعاني اللغوية والصرفية الناشئة عن اختلاف لهجات العرب فاستفاد منها العلماء في النحو والصرف والتفسير، حيث وجهها العلماء توجيهات نحوية وصرفية، كابن جني الذي ألف كتابه " المحتسب في تبيين شواذ القراءات " وجمع فيها كثيرا من القراءات الشاذة ونسبها لأصحابها وبين ميزة كل منها وما تحمل من معانٍ بلاغية ولغوية، وغيره من العلماء الذين اهتموا بهذا المجال في توجيه شاذ القراءات، واستفادوا منها في التفسير والفقه وظهرت جلية في اعتماد الأحكام الشرعية، كمسألة وجوب التتابع في الصيام، اعتمادا على قراءة ابن مسعود وتفسير الصلاة الوسطى بصلاة
العصر اعتمادا على قراءة عائشة، وإيجاب قطع اليمين من السارق اعتمادا على قراءة ابن مسعود.