المؤسسة التنصيرية في الصحراء، مزاب والأهقار- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ١٠٩العسكرية وتمكنوا من كراء منزل لهم يعود لأحد يهود غرداية، حينها تمت البداية الفعلية لمحطة مزاب إذ صارت عاصمة للنيابة الرسولية للصحراء والسودان.
وبالنسبة لهذه النيابة المترامية الأطراف والتي قسمت بداية من 1890 إلى محافظتين هما: الصحراء والسودان،
فنظراً للظروف الصحراوية القاسية وصعوبة التأقلم بها، ثم تشدد السكان وتمسكهم بدينهم .. كان المردود ضعيفاً
أنَّ
إذ إلى غاية الحرب العالمية الأولى لم تتأسس بها إلا ثلاث محطات شبه قارة وهي مزاب والقولية وورقلة في حين المحطات الأخرى بقيت معابر فقط وهي: الأبيض سيدي الشيخ وبسكرة وبني عباس، يبقى أن العمل المنعزل في قلب جبال الهقار تمثل في نشاط شارل دو "فوكو بين سكانها من طوارق الأهقار، ورغم أنه استقر بها لمدة تزيد عن عشر سنوات كان يعتني فيها بالجانب المعرفي واللغوي واعتبرهما القاعدة قبل الوصول إلى الغاية المنشودة وهو عودة الطوارق إلى نصرانيتهم، إلا أن نهايته كانت مأساوية حيث قضت ريح ثورات أقصى الجنوب عليه في أيام الحرب العالمية الأولى باعتباره جزءاً من البرنامج الاستعماري نفسه.
فقد فتحت الفترة الأولى من التواجد الفرنسي على الرمال الصحراوية الباب على مصراعيه للنشاط التنصيري ولو بصفة محتشمة؛ بوجود ثلاثة محطات تابعة لمؤسسة "منصري إفريقيا"، وهي المؤسسة الوحيدة التي لها الحق في العمل بالصحراء بترخيص من الكرسي البابوي، لكن ما يمكن أن يستقى منه هو: التعاون الواضح والتقاطع في الأهداف بين التنصير والاستعمار وخدمة أحدهما للآخر؛ بالرغم من أنه عند قراءة الوثاق الإدارية والقوانين الفرنسية نجد أنه لا فرصة للعمل التنصيري، لكن الواقع يقول أن القوانين يمكن أن لا تتجاوز حواف الأوراق إن عارضت المصلحة الاستعمارية، ثم إن ما يسمى بخدمات البر والإحسان التي كان يقدمها الآباء البيض لم تكن حُبّاً في الأهالي ولا من قبيل الشفقة عليهم، بل كان ما يقدمونه على حسب متطلبات الحاجة لكسب قلوب الضعفاء واستمالتهم إلى فرنسا والتعاون معها؛ غير مدركين أن كل الحرمان الذي هم فيه كانت فرنسا وآلاتها السبب في ذلك؛ ثالثا أن المجتمعات التي عدها المنصرون سهلة التغلغل فيها وتفكيكها هي على العكس تماماً، فبقائها محافظة في أطراف الصحراء رغم انفتاحها الاقتصادي ساهم بشكل كبير على عدم إتاحة الفرص للمنصرين وللعسكر الفرنسي في النفود إلى داخلها، ولكن عدم الاحتياط وفتح المجال للمستكشفين والمستشرقين كان أول معاول شق الطريق إليها.
وقد أخذت ظروف ما بعد الحرب العالمية الأولى التفاعل بين المؤسسة التنصيرية والأهالي منعرجا آخر حيث بدت المؤسسات التنصيرية واقفة إلى جانب الأهالي تواسيهم في محنتهم، ومن جانب آخر تنقل للسلطات العسكرية التحركات المزمعة أو المحتملة ضدهم؛ كما بدا وكأن فرنسا ستستقر بالجزائر إلى الأبد وعلى السكان أن يتكيفوا مع الواقع الجديد بكلِّ ما فيه من مؤسسات حتى المنصرين، ومن جهة أخرى إزداد المنصرون قوة عن الفترة الأولى بتعلمهم لغات الأهالي وفهموا طبائعهم، كما اعتاد الأهالي حضورهم بينهم، كمعلمين للصبية أو مُسعفين لمرضاهم؛ وهذين العملين حظيا بوافر الاهتمام فوجد إقبال وإجبار أحياناً عليهما، كما أصبح التعليم إجبارياً بينما فرض عدم وجود الأطباء والممرضين من الأهالي وانعدام المواد العلاجية إرغاماً صريحاً على الاستئناس بما يقدم على
ما فيه من سموم يتجرعها الأهالي.