المؤسسة التنصيرية في الصحراء، مزاب والأهقار- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ١٠٨ولما وجدت فرنسا الفرصة مواتيةً ألحقت مزاب باحتلاله عسكرياً وبهذا أصبحت فرنسا تراقب عن كثب ما
يجري في مزاب وبخاصة كل من يدخل إليه أو يخرج للتزود، وهو ما أدى إلى غلق أهم أسواق التموين في الجنوب، وإلى ضعف المقاومة الشعبية في الجنوب فكانت 15 سنة كافية لاستكمال احتلال كل شمال الصحراء وصولاً إلى غاية "ثوات" _800 كلم جنوب مزاب في الجنوب الغربي، وانتهاءً إلى أعتاب "الهقار" _1400 كلم جنوب مزاب في الجنوب الشرقي.
وقد جمعت ظروف المجاعة التي عصفت بالجزائر مع نهاية العشرية السادسة من القرن التاسع عشرة نتيجة اغتصاب الأراضي من الأهالي لتحويلها إلى الزراعة الاقتصادية، ومع مد الحكومة الفرنسية للقوات المسلحة أكثر نحو الجنوب سنحت الفرصة للمطران "لافيجري" لينشئ مؤسسة تنصيرية قارة بالجزائر من أجل وضعها تحت تصرف فرنسا والكنيسة؛ فأسس "مؤسسة منصري إفريقيا" سنة 1868 وأتبعها "بمؤسسة الأخوات المنصرات" سنة 1869، وكان على عاتق هذه المؤسسة إنجاح المهمة الإرسالية بالصحراء والسودان الغربي"، ولم تتأخر بعد أن أرست معالمها وقواعدها في إيفاد أول مجموعة من روادها إلى الصحراء قاصدةً الوصول بهم إلى قلب السودان الغربي وإلى المدينة الأسطورية "تنبكتو " التي طالما سمعوا عنها ولم يروها، ولكن "مهماتهم" الأولى منيت بخيبة الأمل وذلك بعد مقتل القافلة الأولى من الرهبان المنصرين بالجنوب الجزائري.
ومع الرغبة الملحة في الوصول إلى أقصى نقطة كان الوصول إلى المجموعات السكانية من الأهداف التي يمرّ بها دين النصرانية؛ على اعتبار أنه رسالة سماوية في الأصل رغم أنها محرّفة فكانت المؤسسة قد وضعت محطات في الواحات الصحراوية تباعاً، ولكن لتناقض غير واضح في الأهداف والعمل الميداني كانت قد تخلت عن بعض المحطات بنفس السرعة التي ظهرت على غرار: "جيري فيل"، والأغواط، والأبيض سيدي الشيخ، وبسكرة، ومتليلي، غير أن المحطات التي تعد محطات لابد من المرور منها إلى الصحراء حافظت عليها مؤقتا، مثل المحطتين الأخيرتين، وهنا يكمن التناقض الأول في الأهداف: فهل المقصود من تلك المهَمَّات هو التمكين للحملة الاستعمارية وفتح الطريق للعلم الفرنسي أكثر نحو الجنوب أم هو العمل الميداني لتنصير الأهالي؟! وبالمقابل كانت المهمات تستقر بشكل انتقائي في بعض المناطق، إذ استقرت في منطقة القبائل والأوراس ومنطقة مزاب والهقار، وكان الدافع المشجع حسب اعتقاد بعض المنصرين يعود إلى طبيعة السكان ذو الأصول الأمازيغية فهم مسيحيون في الأصل أرغموا على الإسلام لاحقاً، وأنه يمكن ضمان بقاء فرنسا هناك بشكل نهائي لو رجعوا إلى نصرانيتهم.
لكن الواقع والميدان لم يكن بهذه السداجة والاعتقاد البسيط، فقد وجدت هذه "المؤسسات التنصيرية" نفسها أمام مجتمعات أشدُّ تمسكاً بدينها مما تتصور؛ ففي مزاب التي أحاطت فرنسا بها منذ 1857، وأنشأت مع متليلي، واحتلت ورقلة الاحتلال الأول، ولم يستطع أحد المنصرين أن يجد لنفسه متسعاً للاستقرار بمزاب بعد أن سدت في وجههم كل منافذ التغلغل؛ وبقي الأمر كذلك مدة ثلاثين سنة موالية أي إلى غاية الاحتلال العسكري لمزاب،1882 م أي حتى ضمن لهم التواجد العسكري هنالك العلاقات الطيبة
مع
سلطاتها