المؤسسة التنصيرية في الصحراء الجزائرية في نهاية القرن 19م: مزاب والأهقار نموذجا الحاج امحمد الحاج ابراهيم

المؤسسة التنصيرية في الصحراء، مزاب والأهقار- غير مفهرس

الجزء ١ · صفحة ١٣

الفصل الأول: توغل الاستعمار الفرنسي نحو صحراء مزاب والهقار

بدأ الاستعمار الحديث سياسته التوسعية من منطلق اقتصادي، حيث كانت أسبابه في أوروبا أين شهدت نهضة وثورة صناعية احتاجت معه إلى مناطق للنفوذ بحثاً عن المواد الأولية وأسواقاً لتصريف السلع، ومناطق "شاغرة" لصرف فائض السكان، بينما توفرت الظروف في أفريقيا وآسيا بالخصوص أين دب الضعف في معظم الأنظمة السياسية القائمة آنذاك إذ اهترأت وتصدّعت الكتل السياسية خاصة منها الدولة العثمانية، فقد جاء احتلال الجزائر كجزء أولي من البرنامج الاستعماري الفرنسي، خاصة وأن موقع الجزائر جعلها مطمعاً للمستعمر كونها بوابة واسعة على أفريقيا؛ حيث حاولت فرنسا أن تراعي الإطار العالمي المشوب بالتنافس مع انجلترا لتسارع في خطواتها نحو الداخل باجتياز عرض الصحراء الكبرى الإفريقية، بالرغم من أنها رمال ولا يعرف عنها الأوروبيين شيئاً إلا أن موقعها كذلك جعل منها أيضاً مطمحاً للغزاة منذ القديم.

المبحث الأول: الاستعمار الأوروبي في الصحراء

1 الاستعمار الفرنسي في مواجهة الصحراء

كان الرومان حسب ديبونشال (Duponchel) أول الأوروبيين الذين وصلوا الصحراء الكبرى من الشمال؛ إذ جعلوا سلطتهم مرهوبة من كل القبائل التي تستوطن حوض وادي "إغَرغر" الكبير الذي يمتد من جنوب ورقلة ويقطع هضبة "تادميت" عرضًا إلى أن يصل سلسلة "الهقار"، وحتى أبعد من ذلك في "الآير"؛ وقد أثبت ذلك وجود طريق العربات الروماني الموغل في "الآير (3)، وهو مزود بما يكفي من آبار للمياه، إذ لم يكن الرومان يستعملون الجمال في تنقلاتهم بل كانوا يستعينون بالعربات التي تجرها الأبقار، وقد جاب الرحالة "ديفيريي" (Duveyrier) جزءا من هذه الطريق الرومانية في نواحي أغداس، لكن وإن بلغ الرومان الواحات منذ العصر القديم إلا أن احتمال استقرارهم غير وارد في تلك المناطق فقد يكتفون بتكليف الرؤساء المحليين بجباية الضرائب)

(4)

منسج

القديمة على أساطيرهم

أن

وقد بقيت منطقة الصحراء الكبرى والسودان الغربي لمدة طويلة لغزاً عند الأوروبيين حيث لم يعرفوا عنها إلا من خلال مخيلتهم ومن خلال الحياة فيها معدومة ومستحيلة وهي بحار من الرمال لا ساحل لها من دخلها فهو محكوم عليه بالموت، وهي مستحيلة على الكائن الحي، وأبعد من أن تنموا فيها نبتة واحدة (5)، ولكن ما إن تغيرت الظروف وتطوّرت وسائل النقل وقامت الثورة الصناعية في أوروبا حتى تحولتِ النظرة وتطوّرت الحاجة إلى مزيد من الاتساع والسيطرة ولو على حساب الصحراء المقفرة، وأضحى الاستعمار

- واحدٌ من أوائل وأقوى المدافعين عن مشروع السكة الحديدية العابرة للصحراء. انظر المبحث الثاني، المطلب الأول. 2

تقع مناطق طوارق الآير إلى شمالي النيجر جنوب سلسلة الهقار -

3

4 - Charles Amat، Le Mzab & les M'zabites، Challamel & Cle éditeurs، Paris، 1888. p 29 .

5 - Philebert & Georges Rolland، La France en Afrique et le Transsaharien، Augustin Challamel éditeur، Paris، 1890. p 6.