المؤسسة التنصيرية في الصحراء الجزائرية في نهاية القرن 19م: مزاب والأهقار نموذجا الحاج امحمد الحاج ابراهيم

المؤسسة التنصيرية في الصحراء، مزاب والأهقار- غير مفهرس

الجزء ١ · صفحة ٤٢

الفصل الثاني: التنصير في الجزائر وتوغله نحو الصحراء

من بين الحركات التي شهدها العالم أيضا في العصر الحديث بالتوازي مع المد الاستعماري "الروح التنصيرية الصليبية" التي لُفت بها الأطماع الاستعمارية التوسعية، فبعد أن صارت الحرب الصليبية أمراً عقيماً وشيئاً من الماضي غيرت الكنيسة من طرق ووسائل عملها؛ فبعد أن تكفلت الجيوش النظامية مؤونة حمل السلاح اتجهت هي إلى اللعب على الوتر الانساني؛ فبعد أن تدمر جيوش الاستعمار الأهالي تأتي فرق المنصرين لتضمد جراحهم؛ كما عمل المنصرون على فتح المعابر والسبل والاشتغال كرواد جنباً إلى جنب مع المستكشفين والجغرافيين المغامرين؛ وقد بدت الأمور أكثر تنظيماً من أزمنة الحروب الصليبية، وبقدر ما كانت الدولة تتحكم في جيوشها النظامية كانت الكنيسة ومن خلفها الكرسى البابوي متحكماً في المجال التنصيري بحيث يقسم الميدان بين الجمعيات والمؤسسات الدينية التابعة لدول النفود في المستعمرات، وهو ما شهدته الجزائر وصحرائها.

المبحث الأول: تطور الحركة التنصيرية في الكنيسة الكاثوليكية

1_ مفهوم التبشير والتنصير

كرّست الكنيسة جهودها للتنصير بالمعتقد النصراني في العالم الإسلامي منذ العهود الأولى لتلاقي الإسلام بالمسيحية، سعياً منها لاقتلاع الإسلام من نفوس الناس وإحلال المسيحية محله (158)، وكلمة "التنصير" تعني لغوياً الدعوة إلى اعتناق النصرانية وإدخال غير النَّصارى في النَّصرانية، وقد ورد في الحديث الشريف: «يولد الولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».

إلا أن النصرانية لم تبقى كما عنى بها أتباع هدي عيسى عليه السلام أول الأمر، بل أخذت تتلون بأفكار أخرى حملها عليه كل من الدعاة "بولس" (159) ومن أتى بعده، والذين ألقوا هالة على شخص المسيح عليه السلام، كما جاء في الآية القرآنية، قال الله تعالى: (وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللَّه ذَلِكَ قَولُهُم بِأَفْوَاهِهِم يُضَاهُونَ قَولَ الذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ (16) للدلالة على أن النصارى قد بدلوا دين الله الذي أرسل به عيسى عليه السلام. (160)؛ أنَّ

ويبقى التساؤل والخلاف حول أصل الكلمة، إن كانت من معنى أنصار عيسى عليه السلام"، كما في الآية، قال الله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنهُمُ الكُفَرَ قَالَ: مَن أنصَارِيَ إِلَى الله) (161)، أو من كلمة ناصري ونصراني نسبة إلى مدينة "النَّاصرة" مولد النبي عيسى عليه السلام في فلسطين، أو من معنى النَّاذر بنفسه للإله (162)، وكلمة كلمة "ماسايا" العبرية، وكانت تستعمل لقباً لملوك اليهود وتعريفاً للملك الموعود في معتقداتهم،

"المسيح" هي

وكان الملوك يمسحون بالزيت المقدس ويسمون بالمسحاء، وكلمة "يسوع" التي هي في العربية "عيسى" هي

كلمة

- محمد بن

الناصر الشتري الهجمة التنصيرية على البلاد الإسلامية، دار الحبيب، ط 1، الرياض، 2003.

ص

5

- انظر المبحث الثاني.

158

159

- سورة التوبة، الآية: 30. 160

- سورة آل عمران، الآية: 52 161

- محمد عثمان صالح النصرانية والتنصير أم المسيحية والتبشير مكتبة ابن القيم، ط 1، المدينة المنورة، 1989. ص 11. 162