المؤسسة التنصيرية في الصحراء الجزائرية في نهاية القرن 19م: مزاب والأهقار نموذجا الحاج امحمد الحاج ابراهيم

المؤسسة التنصيرية في الصحراء، مزاب والأهقار- غير مفهرس

الجزء ١ · صفحة ٥

مقدمة:

لقد شهد الغزو الصليبي عبر القرون أشكالاً وطرقاً عدة، وفي الجزائر واكبت الهجمة الصليبية احتلال الاستعمار الفرنسي لأرض الجزائر سنة 1830 م؛ وقد تنوعت الأساليب التي حاول بها "الآباء البيض" محو الهوية المسلمة من المجتمع الجزائري، فتارة يستعينون بالآلة الحربية التدميرية وذلك بهدم المساجد ومنع التلاميذ والطلبة من الالتحاق بالكتاتيب والمدارس التي كانت مصدر التكوين وتعليم القرآن ومبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية؛ وتارة بممارسة شتى أنواع الضغوط والقيود على رجال العلم من فقهاء وأئمة ومدرسين وذلك بنفيهم أو قتلهم أو فرض الإقامة الجبرية عليهم، وتارة أخرى بإرسال البعثات العلمية والاستكشافية بمعية الحملات العسكرية إلى الأرياف والصحاري والجبال الجزائرية بغرض الاستطلاع ودراسة ومعاينة ثقافة وتركيبة تلك المجتمعات المحافظة تحضيراً للتوغل نحوها وتفكيكها بأقل الخسائر الممكنة؛ إذ يعتبر المساس بخصائص المجتمع سلاحاً أقوى وأجدى

لاقتحامها.

وقد كان من بين المناطق التي استهدفها الاستعمار الفرنسي على غرار باقي الربوع الجزائرية منطقتي مزاب والهقار؛ واللتين انفردتا بتراث إنساني وإرث حضاري ذي طابع خاص ومميزات خاصة ومنها: البيئة الدينية المحافظة، والتركيبة السكانية المنسجمة، والتنظيم الاجتماعي القبلي أو العشائري المتحد ثم التشبث باللغة العربية المرتبطة بالعقيدة إلى جانب اللغة المحلية كلغة للتواصل الاجتماعي المحلي … ، وقد كان هذا الرصيد حصيلة نشاط إنساني كثيف في تلك الربوع المقفرة ومنذ عهود قديمة؛ كما حافظت المنطقتين طويلاً على سلامة نطاقهما من عوادي الزمن وتقلباته، ولعل من العوادي المتأخرة التي ابتلي بها القطر الجزائري ظاهرة الاستعمار الفرنسي، والذي سعى جاهداً ليلج في أعماق تلك المجتمعات قصد تفكيكها وضرب وحدتها بإحداث الخصومة بين عناصره المكونة له، وهو ما شهدته كثير من مناطق الجزائر الأخرى وأثر سلبا على انسجامها ووحدتها. وقد كان من بين المؤسسات التي خدمت وساندت الاستعمار الأوروبي الحديث أثناء احتلاله للعالم وبلاد الإسلام خصوصاً "المؤسسات التنصيرية"، هذه الأخيرة التي كانت الدولة العثمانية قد جمدت عملها لمدة طويلة من الزمن، خاصة في مرحلة قوتها؛ وقد ظلت تجوب البحار مع الرحلات الاستكشافية وكلها طموح في وحدة دينية نصرانية ترعاها المستعمرات الأوروبية ويباركها الكرسي البابوي بروما الحامية للنصارى، وقد قسمت كنسية روما العالم إلى "تيوقراطية" (سلطة دينية)، وترعى هذه المقاطعات أسقفيات ومؤسسات تنصيرية، ومن بين أبرز هذه المؤسسات "مجمع نشر الإيمان" والذي نشأ تحت لوائه "مؤسسة منصري إفريقيا"؛ هذه الأخيرة منح لها حق العمل التنصيري بالجزائر في منطقة الصحراء والسودان متخذة من مزاب عاصمة لها؛ محاولة جعلها معبراً نحو بلاد

=

الطوارق. إذا فمزاب والهقار تعتبران منطقتين يقطنهما السكان الأصليون وبحسب المنصرين المعتمدين على الدراسات الأولى "لماسكوراي" و"ديفيربي" و"شارمتان" وغيرهم فإنَّ السكان الأصليين كانوا على ديانة المسيحية قبل الإسلام،