المؤسسة التنصيرية في الصحراء، مزاب والأهقار- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ٦وهناك إمكانية كبيرة لردّهم إلى ديانتهم الأولى؛ كما أنهما ومنذ القديم تعتبران محط القوافل نحو السودان؛ ومنها يمكن الوصول إلى إفريقيا السوداء ومحاربة تجارة الرقيق التي كان ينبذها المنصرون.
وقد شهدت الصحراء الكبرى تطورات جذرية في العصر الحديث بتعرضها لأول مرة لتدخل خارجي متمثل في الاستعمار الأوربي المباشر والمسلح وفي البعثات العلمية والمؤسسات التنصيرية؛ هاتين الأخيرتين أخذتا الريادة في فتح الآفاق أمام النفوذ الاستعماري وكشف السبل وإرساء المعالم، حيث تراوح الدور ما بين الجغرافيين الجوالين والمنصرين الآملين في الاستقرار كما هو الحال في الصحراء الكبرى.
أَنَّ
وقد تعددت كيفيات توغل المنصرين من منطقة إلى أخرى حسب طبيعة المنطقة ومقتضيات المرحلة؛ غير أساليب المنصرين تتشابه تقريباً في تقمصهم لمجموعة من الأدوار هي: مُعلّم للصبيان أو مكوّن في الحرف اليدوية أو طبيب أو كاتب وغير ذلك؛ وقد تركزت ظاهرياً في خدمة القضايا الإنسانية وتقديم يد العون لمن يطلبها، في الوقت الذي كانت تعتبر فعلياً "عيناً " أمامية ترافق الاستعمار وتذلل له الصعاب؛ أمَّا رمزية تقديمها للعمل الإنساني في صبغة دينية فقد كانت غير متوائمةٍ تماماً مع المجتمع السلامي المحافظ وبخاصة في بيئتي مزاب والهقار؛ ومع مرور الزمن وتعدد الحملات وتعرض مزاب والهقار الأزمات خانقة استطاع المنصّرون النفوذ إلى أعماق تلك المجتمعات المحافظة ولو لبعض الوقت … ، ولعل الأسئلة التي تطرح نفسها بحدة هنا هي: كيف ولجت هذه الترسانة من المنصرين إلى هاتين البيئتين الموغلتين في الصحراء الجزائرية؟ وما هي أساليبها في استمالة الأهالي والأقليات كالزنوج واليهود؟ وكيف كان ردّ فعل ممثلي المؤسسات الدينية الإسلامية المحلية والممثلة في العلماء والعزابة وأئمة المساجد؟ وكيف كان ردّ فعل الجبهة الاجتماعية ممثلة في رؤساء القبائل والعشائر؟ وما هي طرق التي صد بها العلماء ورؤساء العشائر ثم الأهالي نشاطات تلك المؤسسات التنصيرية؟
هذه الأسئلة وغيرها هي جزء من صلب موضوع دراستنا المعنونة بـ "المؤسسات التنصيرية في الصحراء الجزائرية بين سنوات 19161868؛ وسيتم الإجابة عنها أثناء تتبع تسلل مجموعة من الأحداث التاريخية بمنطقتي مزاب والهقار خلال هذه الفترة، وستتضح الرؤى أكثر وأكثر من خلال عرض محتوى مجموعة من الوثائق التاريخية والتقارير اليومية التي كان يرسل بها الرهبان إلى الكنيسة الأم بالجزائر ومنها إلى روما.
أهمية الموضوع: الموضوع يكتسي أهميته البالغة من امتداده في عديد الجوانب الاجتماعية بخاصة وعلى المستوى التاريخي ورغم الدراسات ما يزال التساؤل مطروحاً حول الدور الذي لعبته هذه المؤسسات التنصيرية والدوافع التي كانت ورائها، خاصة وأن الحملة على الجزائر كما يصفها وزير الحربية الكونت كليرمون تُونِير بقوله: "إنَّها حملة صليبية
أن
هيأتها العناية الإلهية لينفّذها الملك الفرنسي الذي اختاره الله ليثأر من أعداء الدين والإنسانية" (1)، والواقع المصلحة الاقتصادية كانت إحدى أهم العوامل المحركة ويشكك بعض المؤرخين الفرنسيين في المنجزات التي قدمها المنصرون لفرنسا بقولهم: إذا حققت فرنسا ربط الاقتصاد الجزائري بالاقتصاد الفرنسي، فماذا حقق رجالها الدينيون؟!
1 - Clermont Tonnerre: << Rapport au Roi، sur Alger>>. en R. A، Vol.70، Adolphe Jordan، 1929. p.215.